
يلجأ كثير من الأشخاص إلى الكلمات المتقاطعة والألغاز الرياضية وألعاب الذكاء، مثل السودوكو، اعتقادًا منهم أن ممارسة هذه الأنشطة بانتظام كافية لتقوية الذاكرة وتحسين التركيز والقدرات الذهنية. لكن الخبراء يشيرون إلى أن فائدة التمارين المعرفية قد تختلف بحسب المهارة التي يسعى الشخص إلى تحسينها، وأن الألعاب الذهنية العامة لا تعالج بالضرورة جميع المشكلات المرتبطة بالذاكرة أو ما يُعرف باسم «ضبابية الدماغ».
وتبرز أهمية هذا الموضوع لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في استحضار أسماء الأشخاص أو الكلمات المألوفة، أو يشعرون بأن أفكارهم أصبحت أبطأ من المعتاد، رغم قدرتهم على فهم الأمور والتفكير بصورة طبيعية في مواقف أخرى.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، أوضحت الدكتورة روندا فوسكول، أستاذة طب الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، أن اختيار التمارين المعرفية ينبغي أن يرتبط بالمهارة التي يعاني الشخص من صعوبة فيها، بدلًا من الاعتماد على ألعاب عشوائية لا تستهدف المشكلة بصورة مباشرة.
لماذا لا تكفي الكلمات المتقاطعة والسودوكو دائمًا؟
تُستخدم ألعاب الذكاء في أنشطة متنوعة تتطلب الانتباه والتفكير المنطقي وحل المشكلات والتعرف إلى الأنماط. وقد تساعد الممارسة المنتظمة على تحسين الأداء في المهام التي يتدرب عليها الشخص، لكن هذا التحسن لا يعني بالضرورة انتقال الفائدة إلى جميع وظائف الدماغ أو علاج كل أنواع صعوبات الذاكرة.
وتكمن الفكرة الأساسية في أن القدرات المعرفية ليست مهارة واحدة متجانسة؛ فالقدرة على حل مسألة رياضية تختلف عن القدرة على تذكر اسم شخص بسرعة، كما أن تذكر معلومة بعد وقت طويل يختلف عن استرجاع كلمة مناسبة أثناء محادثة سريعة.
لذلك، إذا كانت المشكلة الأساسية تتمثل في صعوبة استحضار الكلمات، فقد يكون من المفيد تجربة أنشطة تتضمن تسمية الأشياء واسترجاع المفردات والتعبير الشفهي، بدلًا من الاكتفاء بالألغاز الرقمية.
ولا يعني ذلك أن السودوكو أو الكلمات المتقاطعة عديمة الفائدة، بل إن لكل نشاط مهارات يتطلبها، ولا توجد لعبة واحدة يمكن اعتبارها علاجًا شاملًا لجميع المشكلات المرتبطة بالتركيز والذاكرة.
ما المقصود بضبابية الدماغ؟
يُستخدم مصطلح «ضبابية الدماغ» لوصف مجموعة من الشكاوى المعرفية التي قد تشمل صعوبة التركيز، وبطء التفكير، والنسيان، وصعوبة استحضار الكلمات، والشعور بأن أداء المهام الذهنية يحتاج إلى جهد أكبر من المعتاد.
لكن هذا المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا مستقلًا، ولا يشير إلى سبب واحد محدد. فقد ترتبط هذه الأعراض بقلة النوم، أو التوتر، أو الإرهاق، أو بعض الأدوية، أو حالات صحية مختلفة، كما يمكن أن تظهر لدى بعض النساء خلال مراحل التغيرات الهرمونية المرتبطة بمنتصف العمر.
وتختلف طبيعة الأعراض وحدتها من شخص إلى آخر؛ فقد يلاحظ أحدهم صعوبة في التركيز خلال العمل، بينما يجد آخر صعوبة في تذكر الكلمات أثناء الحديث، وقد يعاني شخص ثالث من الشعور بالتعب الذهني بعد فترة قصيرة من القراءة أو أداء المهام اليومية.
ولهذا، من المهم عدم افتراض أن جميع حالات ضبابية الدماغ تعود إلى السبب نفسه، أو أن تمارين الذاكرة وحدها كافية للتعامل معها.
التغيرات الهرمونية وعلاقتها باسترجاع الكلمات
تزداد الشكاوى المتعلقة بالنوم والتركيز والذاكرة لدى بعض النساء خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث. وقد تتزامن هذه التغيرات مع تقلبات في مستويات الهرمونات، إلى جانب أعراض أخرى مثل اضطرابات النوم والهبات الساخنة والتغيرات المزاجية.
ويلعب هرمون الإستروجين أدوارًا متعددة في الجسم، بما في ذلك وظائف ترتبط بالدماغ. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات الهرمونية خلال هذه المرحلة قد تترافق لدى بعض النساء مع تغيرات في الأداء المعرفي، خصوصًا في بعض جوانب الذاكرة اللفظية والانتباه.
والذاكرة اللفظية هي القدرة على تعلم الكلمات والمعلومات التي تُعبّر عنها اللغة وتذكرها، بينما تشير سرعة المعالجة إلى مدى سرعة التعامل مع المعلومات والاستجابة لها.
ومع ذلك، لا تعاني جميع النساء من الأعراض نفسها، ولا تعني صعوبة استحضار الكلمات بالضرورة وجود مشكلة هرمونية أو مرض عصبي. كما أن النوم والتوتر والحالة الصحية العامة عوامل قد تؤثر في الأداء الذهني.
ومن المهم كذلك عدم اعتبار التغيرات التي قد تحدث في هذه المرحلة دليلًا تلقائيًا على وجود ضمور دماغي أو مرض تنكسي؛ إذ يتطلب تقييم الأعراض المستمرة أو المتفاقمة النظر في التاريخ الصحي والفحص الطبي عند الحاجة.
هل تؤثر ضبابية الدماغ في الذاكرة أم في سرعة التفكير؟
قد يخلط بعض الأشخاص بين نسيان المعلومات وعدم القدرة على استرجاعها بسرعة، رغم أن الأمرين ليسا متطابقين بالضرورة.
فقد يعرف الشخص اسم شيء معين ويستطيع وصفه بدقة، لكنه يحتاج إلى وقت أطول حتى يتذكر الكلمة المناسبة. وفي موقف آخر، قد ينسى معلومة لأنه لم ينتبه إليها جيدًا عند سماعها للمرة الأولى، أو لأنه لم يحصل على قسط كافٍ من النوم.
وقد يكون التمييز بين هذه الحالات مفيدًا عند اختيار الأنشطة المعرفية المناسبة، لكنه لا يكفي وحده لتحديد سبب المشكلة أو تشخيصها.
وتشير الأبحاث المتعلقة بالتدريب المعرفي إلى أن ممارسة مهارة معينة قد تحسن الأداء في المهام المشابهة، بينما تظل الأدلة على انتقال هذا التحسن إلى جميع جوانب الحياة اليومية متفاوتة بحسب نوع التدريب والفئة التي خضعت للدراسة.
لذلك، فإن الهدف من التمارين الذهنية ليس مجرد زيادة عدد الألغاز التي يحلها الشخص، بل اختيار أنشطة مناسبة لأهدافه، مع عدم اعتبارها بديلًا عن التقييم الطبي إذا كانت الأعراض جديدة أو مستمرة.
ثلاثة تمارين بسيطة لتدريب استرجاع الكلمات
يمكن تجربة مجموعة من الأنشطة اليومية التي تستهدف التسمية واستدعاء المفردات والتعبير الشفهي. وهي أنشطة تدريبية عامة، وليست علاجًا مثبتًا لجميع أسباب ضبابية الدماغ.
1. تحدي الكلمات خلال 60 ثانية
اختر فئة واحدة، مثل أسماء الحيوانات أو الفواكه أو الأدوات المنزلية، ثم اضبط مؤقتًا لمدة دقيقة وحاول ذكر أكبر عدد ممكن من الكلمات التي تنتمي إلى هذه الفئة.
على سبيل المثال، عند اختيار فئة الفواكه، يمكنك البدء بأسماء مثل التفاح والبرتقال والموز والعنب والكمثرى.
يمكن تكرار النشاط مع فئات مختلفة، مع تسجيل عدد الكلمات التي استطعت استحضارها في كل مرة. والأفضل التركيز على التحسن الشخصي بمرور الوقت، بدلًا من مقارنة النتيجة بالآخرين.
إذا كان تحديد الوقت يسبب التوتر أو يجعل الأداء أصعب، فيمكن ممارسة التمرين دون مؤقت، ثم تقليل الوقت تدريجيًا إذا كان ذلك مريحًا.
2. القراءة ثم التلخيص بصوت مرتفع
اختر مقالًا قصيرًا أو فقرة من كتاب، واقرأها باهتمام، ثم حاول تلخيص الفكرة الأساسية بصوت مرتفع في جملتين أو ثلاث.
يساعد هذا النشاط على ممارسة فهم النص وتحديد المعلومات المهمة واسترجاع المفردات واستخدامها في التعبير. ويمكن البدء بفقرة قصيرة ثم الانتقال إلى نصوص أطول بحسب القدرة والرغبة.
ومن المفيد عدم القلق بشأن اختيار الكلمات المثالية في المحاولة الأولى؛ فالهدف هو التدرب على التعبير عن المعنى بوضوح، وليس تقديم ملخص أدبي متكامل.
3. تسمية الصور والأشياء اليومية
اختر مجموعة من الصور التي تمثل أشياء مألوفة، مثل الأدوات المنزلية والفواكه والحيوانات، ثم حاول تسمية كل صورة بسرعة معقولة.
ويمكن تنفيذ النشاط باستخدام أشياء موجودة في المنزل، مثل المفتاح والكوب والملعقة والساعة والكتاب.
إذا واجهت صعوبة في تذكر اسم أحد الأشياء، فحاول وصف استخدامه أو شكله، ثم تحقق من اسمه وانتقل إلى العنصر التالي. وتساعد هذه الطريقة على ممارسة الربط بين الشيء ومفردته، من دون تحويل التدريب إلى اختبار مرهق.
عادات يومية قد تساعد على الحفاظ على الأداء الذهني
إلى جانب التمارين المعرفية، توجد عادات أساسية ترتبط بصحة الدماغ والأداء الذهني، ويستحسن الاهتمام بها عند الشعور بالتشتت أو النسيان.
النوم الكافي: يمكن أن تؤثر قلة النوم واضطراب مواعيده في الانتباه والذاكرة وسرعة الاستجابة. لذلك، فإن تحسين جودة النوم والحفاظ على مواعيد منتظمة قدر الإمكان قد يساعدان على تقليل بعض الصعوبات المرتبطة بالإرهاق.
النشاط البدني: يرتبط النشاط البدني المنتظم بفوائد صحية متعددة، منها فوائد لصحة القلب والأوعية الدموية، وهي مهمة أيضًا لصحة الدماغ. ويمكن اختيار نشاط يناسب العمر والحالة الصحية، مثل المشي المنتظم.
التغذية المتوازنة: يساعد تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة على توفير العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الجسم. أما تناول المكملات الغذائية بجرعات مرتفعة من دون وجود حاجة واضحة، فلا يضمن تحسين الذاكرة، وقد يكون غير مناسب لبعض الأشخاص.
تقليل التشتت: عند أداء مهمة تحتاج إلى التركيز، قد يكون من المفيد إبعاد الهاتف مؤقتًا وتقليل التنقل بين المهام، والعمل على خطوة واحدة في كل مرة.
إدارة التوتر: يمكن أن يؤثر الضغط النفسي المستمر في النوم والانتباه والقدرة على استرجاع المعلومات. وقد تساعد فترات الراحة وتنظيم المهام والتواصل الاجتماعي على التعامل مع الضغوط اليومية.
ولا توجد عادة واحدة تضمن منع ضبابية الدماغ أو علاج جميع أسبابها، لكن الاهتمام بهذه الجوانب قد يساعد على تحسين الصحة العامة والأداء اليومي.
متى تستدعي مشكلات الذاكرة مراجعة الطبيب؟
قد تكون صعوبة تذكر الكلمات عابرة ومرتبطة بالإرهاق أو قلة النوم، لكن من المهم الانتباه إلى طبيعة الأعراض ومدى استمرارها وتأثيرها في الحياة اليومية.
ينبغي استشارة الطبيب إذا كانت صعوبات الذاكرة أو التركيز جديدة أو متكررة أو تتفاقم بمرور الوقت، أو إذا بدأت تؤثر في العمل أو العلاقات أو القدرة على إنجاز المهام المعتادة.
وقد يحتاج الطبيب إلى مراجعة الأدوية المستخدمة، وتقييم النوم والحالة الصحية العامة، والنظر في أسباب محتملة بحسب الأعراض والتاريخ الطبي. ولا يمكن تحديد السبب اعتمادًا على وصف ضبابية الدماغ وحده.
أما إذا ظهر الارتباك أو صعوبة الكلام بصورة مفاجئة، خصوصًا مع ضعف في أحد جانبي الجسم أو تدلي الوجه أو اضطراب مفاجئ في الرؤية أو التوازن، فيجب طلب المساعدة الطبية الطارئة؛ فقد تكون هذه علامات على حالة عصبية طارئة.
الخلاصة
لا تعني ممارسة ألعاب الذكاء أنها ستعالج كل مشكلة تتعلق بالذاكرة أو التركيز. فالسودوكو والألغاز الرقمية تتطلب مهارات معينة، بينما قد يحتاج الشخص الذي يواجه صعوبة في استرجاع الكلمات إلى ممارسة أنشطة لغوية تستهدف التسمية والتعبير واستحضار المفردات.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه التمارين باعتبارها علاجًا مضمونًا لضبابية الدماغ، لأن أسباب هذه الحالة متعددة، كما أن التحسن في أداء تمرين معين لا يثبت بالضرورة تحسن الذاكرة في الحياة اليومية.
والخطوة الأهم هي الانتباه إلى الأعراض، وتحسين العادات اليومية التي تدعم الصحة الذهنية، واختيار أنشطة تناسب الصعوبة التي يواجهها الشخص، مع طلب التقييم الطبي عندما تكون المشكلة مستمرة أو متفاقمة.
المصدر: تقرير شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، مع الاستناد إلى المبادئ العامة المتعلقة بالتدريب المعرفي وصحة الدماغ.

