
البارح العين ما نامت الجونة: لماذا هذا العرض العربي الأول مختلف.
العرض، الذي أقيم مساء الجمعة 16 أكتوبر في اليوم الثاني من فعاليات المهرجان، لم يكن عرضاً عادياً. الحضور ضمّ نخبة من نجوم السينما المصرية: إلهام شاهين، ليلى علوي، روجينا وزوجها الدكتور أشرف زكي وابنتهما مريم، إلى جانب ياسمين العبد وميس حمدان ومي سليم والمخرج عمر عبدالعزيز والدكتور خالد عبدالجليل.
وجود هذا الكم من الأسماء البارزة في عرض فيلم مستقل لمخرج فلسطيني شاب ليس مصادفة. هو إشارة إلى أن الفيلم يحمل شيئاً يستحق المشاهدة وليس مجرد حضور بروتوكولي.
قبل العرض، تحدث المخرج ركان مياسي أمام الجمهور بكلمات قليلة لكنها حملت ثقلها: «شرف كبير أكون موجود في الجونة بين أهلي، ويكون العرض العربي الأول هنا، مصر مش بس أم الدنيا دي أم السينما العربية».
هذه الجملة وحدها تكشف كيف ينظر مياسي إلى الجونة: ليس مجرد مهرجان دولي، بل مكان يشعر فيه بالانتماء. وهو شعور يتكرر في الفيلم نفسه، حيث ينتمي الأفراد إلى مجتمع لا يمنحهم حق الاختيار.
قصة الفيلم: عندما يصبح الجسد ثمن الصلح
تدور أحداث الفيلم في سهل البقاع، تلك المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا التي تحكمها روابط القبيلة والحسابات القديمة. كل شيء يبدأ بحريق في شاحنة. هذا الحريق الصغير يشعل سلسلة خلافات داخل مجتمع بدوي متماسك ظاهرياً، لكنه يحمل في جوفه أحقاداً متوارثة.
في خضم هذه التوترات، تختفي الفتاة «قمرة» في ظروف غامضة. ينطلق ابن عمها «ياسر» في رحلة بحث عنها، لكنه كلما توغّل في البحث، اصطدم بأشباح الماضي ليس بأشباح قمرة، بل بأشباح الأحقاد القديمة ومنطق الثأر البطيء.
وفي مكان آخر من الحكاية، تجد شقيقتاه «جواهر» و«ريم» نفسيهما في قلب الأزمة. لا أحد يسألهما عن رأيهما. تُقدَّمان قرباناً للصلح، بينما القرارات التي تحدد مصيرهما تُتخذ بعيداً عنهما.
هنا تكمن القوة الحقيقية للفيلم. ليس في الحبكة، بل في المسافة بين ما يريده الأفراد وما تفرضه عليهم الأعراف.
لماذا صُنع الفيلم بطريقة غير مألوفة؟
ما يجعل «البارح العين ما نامت» مختلفاً ليس فقط قصته، بل طريقة صناعته.
الفيلم صُوِّر بالكامل في سهل البقاع خلال ربيع 2025، بمشاركة ممثلين غير محترفين أبناء المنطقة أنفسهم ودون سيناريو مكتوب. هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية. هذا قرار فني جوهري.
بدون سيناريو مكتوب، تصبح الشخصيات أكثر قرباً من الواقع. لا حوارات مصقولة، بل كلمات تخرج كما تخرج في الحياة اليومية. والممثلون غير المحترفين ريم وجواهر وياسر المولى لا يؤدون أدواراً بقدر ما يعيشون لحظات.
ركان مياسي شرح هذه المقاربة في بيان صحفي: «عدتُ إلى سهل البقاع، حيث لا تزال هذه التقاليد حاضرة، لا لأواجهها بل لأراقبها من الداخل. ما شدّني هو المسافة بين الانتماء والغربة، وكيف يتحرّك الأفراد داخل أنظمة سبقت وجودهم».
هذه الجملة تشرح فلسفة الفيلم بأكملها. لا يريد مياسي أن يحاكم العرف، بل يريد أن يراقبه. يريد أن يُظهر كيف يعيش الناس داخل نظام لا يستطيعون تغييره، وكيف تتفاوت ردود أفعالهم بين الاستسلام والتمرد.
جدول: بطاقة تعريف فيلم البارح العين ما نامت
| البند | التفاصيل |
|---|---|
| المخرج | ركان مياسي (مخرج وكاتب ومنتج فلسطيني مستقل) |
| مدة الفيلم | 100 دقيقة |
| اللغة | العربية |
| الأدوار الرئيسية | ريم المولى، جواهر المولى، ياسر المولى (ممثلون غير محترفين) |
| مكان التصوير | سهل البقاع، على الحدود اللبنانية السورية |
| تاريخ التصوير | ربيع 2025 |
| العرض العالمي الأول | مهرجان كان السينمائي 2026 — قسم «نظرة ما» |
| العرض العربي الأول | مهرجان الجونة السينمائي — الدورة التاسعة |
| المشاركة القادمة | مهرجان مراكش الدولي للفيلم (20-28 نوفمبر 2026) |
حكاية الجدة: الجذور الحقيقية للفيلم
ما خفي كان أعظم. القصة التي يرويها الفيلم ليست من نسج الخيال.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، كشف ركان مياسي أن الفيلم انطلق من حكاية جدته، التي تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها دون أن يكون لها رأي في القرار. قربه منها جعله يستمع مراراً إلى حديثها عن تلك التجربة، فظل يفكر في إنجاز فيلم يهديه إليها.
لكن الطريق إلى الفيلم لم يبدأ من الذاكرة العائلية وحدها. أثناء تصوير عمله القصير «غداً يأتي الحب» في البقاع عام 2020، تعرّف مياسي على المكان وأهله. ومع عودته المتكررة، اتسعت علاقته بالعائلة التي شاركت لاحقاً في الفيلم، وأصبحت معرفته بتفاصيل حياتها أساساً لبناء الشخصيات.
هذه العلاقة الطويلة مع المكان ست سنوات من العودة والتصوير والمراقبة هي ما يمنح الفيلم صدقه. ليس فيلماً عن البقاع، بل فيلماً من البقاع.
النساء في قلب الحكاية: بين التضحية والتمرد
أوضح مياسي أنه أراد التركيز على علاقة الأختين «جواهر» و«ريم» وما يهددها من انفصال. اختلاف استجابتهما كان ضرورياً لبناء هذه العلاقة:
- جواهر، الأكبر سناً، تشعر بمسؤولية تجاه أختها وتستعد للتضحية من أجلها.
- ريم، الأصغر، تبدو أكثر تمرداً ولا تستطيع تقبل فكرة أن تصبح قرباناً لإنهاء النزاع.
هذا التناقض يزيد صعوبة الموقف ويجعله أكثر إنسانية. لا يوجد شرير في هذه الحكاية. هناك نظام يفرض نفسه على الجميع، وكل شخص يتعامل معه بطريقته.
ركان مياسي: من ألمانيا إلى البقاع
ركان مياسي وُلد في ألمانيا ويقيم في بروكسل، ودرس السينما وعلم النفس في لبنان، ونال ماجستير في الإخراج من مدرسة LUCA للفنون في بلجيكا.
عُرض فيلمه القصير «ربما» في مهرجان لوكارنو عام 2012، وفيلمه «بونبونيه» عُرض لأول مرة في مهرجان دبي السينمائي.
خلفيته الأكاديمية في علم النفس لا تظهر فقط في اختياره لموضوع الأنظمة التي تسبق وجود الأفراد، بل في طريقة معالجته للشخصيات. لا أحكام، لا تبسيط. فقط مراقبة دقيقة لسلوك البشر عندما يجدون أنفسهم داخل نظام لا يمنحهم حرية الاختيار.
أسئلة شائعة حول البارح العين ما نامت الجونة
ما قصة فيلم البارح العين ما نامت؟
تدور أحداث الفيلم في سهل البقاع على الحدود اللبنانية السورية، حيث يشعل حريق في شاحنة سلسلة خلافات داخل مجتمع بدوي. تختفي الفتاة «قمرة» فينطلق ابن عمها «ياسر» في رحلة بحث عنها، بينما تُدفع شقيقتاه «جواهر» و«ريم» لتسوية النزاع دون أن يكون لهما رأي في القرارات.
من هو مخرج فيلم البارح العين ما نامت؟
المخرج هو ركان مياسي، مخرج وكاتب ومنتج فلسطيني مستقل. وُلد في ألمانيا ويقيم في بروكسل، وهو أول فيلم روائي طويل له. الفيلم مستلهم من قصة جدته التي تزوجت قسراً في الرابعة عشرة من عمرها.
متى سيُعرض فيلم البارح العين ما نامت في مهرجان الجونة؟
عُرض الفيلم في اليوم الثاني من مهرجان الجونة السينمائي، مساء الجمعة 16 أكتوبر 2026. ومن المقرر أن يشارك بعدها في مهرجان مراكش الدولي للفيلم في الفترة من 20 إلى 28 نوفمبر 2026.
بين تصفيق الجمهور في قاعة مركز الجونة للمؤتمرات، وكلمات المخرج القليلة التي حملت ثقل الانتماء، أثبت «البارح العين ما نامت» أن السينما الفلسطينية لا تحتاج إلى شعارات لتوصل صوتها. تحتاج فقط إلى قصة صادقة، وصوت يحملها.
ركان مياسي قال إنه «شرف كبير» أن يكون في الجونة بين أهله. لكن الحقيقة التي تكمن في هذه الليلة أن الجونة كانت محظوظة بوجوده أيضاً. الفيلم لم يعد مجرد عمل فلسطيني يعرض في مهرجان. صار حدثاً يستحق أن يُشاهد ويُناقش.

