
لا تقتصر المخاطر المحتملة للإفراط في تناول الملح على ارتفاع ضغط الدم، بل تشير بعض الأبحاث إلى احتمال ارتباط الأنظمة الغذائية الغنية بالصوديوم بتغيرات تؤثر في صحة الكبد أيضا. ومع ذلك، لا تزال الأدلة المتعلقة بهذا التأثير لدى البشر بحاجة إلى مزيد من البحث، ولا يعني تناول الملح وحده أن الشخص سيصاب بمرض في الكبد.
ويؤكد المختصون أهمية الاعتدال في استهلاك الصوديوم، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون أمراض الكبد المزمنة، إذ قد يؤدي الإفراط فيه إلى زيادة احتباس السوائل وتفاقم بعض المضاعفات.
كيف يمكن أن يؤثر الملح على الكبد؟
يحتوي ملح الطعام على الصوديوم، وهو معدن يحتاج إليه الجسم للمساعدة في تنظيم توازن السوائل ووظائف الأعصاب والعضلات. لكن استهلاكه بكميات كبيرة بصورة مستمرة قد يرفع ضغط الدم، كما يمكن أن يؤثر في توازن السوائل وبعض العمليات الأيضية في الجسم.
ووفقا لتقارير صحية نقلها موقع «فيري ويل هيلث»، تثير بعض الدراسات مخاوف بشأن العلاقة المحتملة بين الأنظمة الغذائية الغنية بالصوديوم وصحة الكبد.
وتشير أبحاث أُجريت على الحيوانات إلى أن تناول كميات مرتفعة من الصوديوم، في بعض الظروف الغذائية، قد يرتبط بزيادة الالتهاب والتغيرات الليفية في أنسجة الكبد. لكن هذه النتائج لا تثبت أن التأثير نفسه يحدث لدى البشر بالدرجة ذاتها، كما أن صحة الكبد تتأثر بعوامل متعددة، منها الوزن والنظام الغذائي والأدوية والأمراض المزمنة.
ويشير اختصاصيون إلى أن العلاقة بين الصوديوم وصحة الكبد قد تكون معقدة، وقد تتداخل فيها عوامل مثل مقاومة الإنسولين وتوازن السوائل والاضطرابات الأيضية. لذلك، لا يمكن اعتبار الملح سببا مباشرا ومؤكدا لتشمّع الكبد لدى عامة الناس استنادا إلى الأدلة المتاحة وحدها.
ما العلاقة بين التهاب الكبد والتندّب؟
قد يؤدي استمرار الالتهاب أو حدوث إصابات متكررة في أنسجة الكبد إلى تنشيط عمليات إصلاح تنتج عنها أنسجة ندبية. وإذا تراكمت هذه الأنسجة على مدى سنوات، فقد تتطور الحالة إلى تليّف الكبد، وقد تصل في المراحل المتقدمة إلى التشمّع.
لكن أمراض الكبد لها أسباب متعددة، تشمل بعض أنواع العدوى الفيروسية، ومرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي، واستهلاك الكحول، وبعض الأمراض المناعية والأدوية.
ولهذا، فإن تقليل الملح خطوة مفيدة ضمن نمط حياة صحي، لكنه لا يغني عن تشخيص أسباب أمراض الكبد وعلاجها، ولا يُعد وسيلة مستقلة مضمونة للوقاية من التشمّع.
لماذا يحتاج مرضى تشمّع الكبد إلى الانتباه للصوديوم؟
تزداد أهمية التحكم في الصوديوم لدى المصابين بتشمّع الكبد، خاصة إذا كانوا يعانون احتباس السوائل أو الاستسقاء، وهي حالة يتجمع فيها السائل داخل تجويف البطن.
ففي المراحل المتقدمة من المرض، قد تتغير قدرة الجسم على تنظيم السوائل، ما يؤدي إلى تجمعها في البطن أو تورم الساقين. ويمكن أن يسهم تناول كميات كبيرة من الصوديوم في تفاقم هذه المشكلة لدى بعض المرضى.
وقد يوصي الفريق الطبي للمصابين بالتشمّع والاستسقاء بتقليل الصوديوم إلى نحو 2000 مليغرام يوميا، لكن الهدف المناسب قد يختلف بحسب الحالة والتوجيهات العلاجية.
ومن المهم عدم الخلط بين الصوديوم وملح الطعام؛ فملعقة صغيرة من الملح تحتوي تقريبا على 2300 مليغرام من الصوديوم، مع اختلاف الكمية بحسب نوع الملح وحجم الملعقة. ويشمل إجمالي الصوديوم ما يُضاف أثناء الطهو وما يوجد بالفعل في الأطعمة المصنعة والمعلبة.
ولا ينبغي لمرضى الكبد إجراء تغييرات كبيرة في نظامهم الغذائي دون استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية، لأن تقييد الطعام بصورة مفرطة قد يؤثر في حصولهم على الطاقة والبروتين اللازمين.
كيف تقلل استهلاك الملح في حياتك اليومية؟
يمكن تقليل الصوديوم من خلال خطوات بسيطة، دون الحاجة إلى التخلي عن جميع الأطعمة المفضلة.
1. قلل الأطعمة المصنعة: تحتوي اللحوم المصنعة والمخللات وبعض أنواع الجبن والوجبات الجاهزة على كميات متفاوتة من الصوديوم.
2. اقرأ الملصقات الغذائية: قارن كمية الصوديوم بين المنتجات، وانتبه إلى حجم الحصة المذكور على العبوة، فقد تتناول أكثر من حصة واحدة دون ملاحظة ذلك.
3. حضّر الطعام في المنزل: يساعد الطهو باستخدام مكونات طازجة على التحكم في كمية الملح المضافة، خصوصا عند إعداد الشوربات والصلصات.
4. استخدم بدائل النكهة: يمكن الاستعانة بالليمون والثوم والأعشاب والتوابل غير المملحة لإضافة نكهة إلى الطعام، مع تقليل الاعتماد على الملح.
5. اختر المكسرات غير المملحة: عند تناول المكسرات أو الوجبات الخفيفة، اختر الأنواع التي لا تحتوي على ملح مضاف أو التي تحتوي على كمية أقل منه.
6. انتبه إلى وجبات المطاعم: قد تحتوي بعض الوجبات على كميات كبيرة من الصوديوم حتى إن لم يكن مذاقها شديد الملوحة، لذلك يفيد طلب الصلصات منفصلة وتقليل الإضافات المالحة.
ما الكمية المناسبة من الملح يوميا؟
توصي منظمة الصحة العالمية البالغين باستهلاك أقل من 2000 مليغرام من الصوديوم يوميا، أي ما يعادل أقل من 5 غرامات من ملح الطعام تقريبا، من جميع المصادر الغذائية.
وهذا هدف عام للسكان، وليس بديلا عن التوصيات الطبية الخاصة بالأشخاص الذين يعانون أمراضا معينة. كما أن الوصول إليه يتطلب الانتباه إلى الصوديوم الموجود في المنتجات الجاهزة، وليس فقط الملح الذي يضاف إلى الطعام.
وإلى جانب تقليل الصوديوم، تساعد المحافظة على وزن مناسب، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول غذاء متنوع، ومتابعة ضغط الدم ومستويات السكر عند الحاجة، على دعم الصحة العامة وصحة الكبد.
الخلاصة
قد يرتبط الإفراط في تناول الصوديوم بمشكلات صحية تتجاوز ارتفاع ضغط الدم، وتشير دراسات حيوانية إلى تأثيرات محتملة في التهاب الكبد وتندّب أنسجته، لكن هذه العلاقة لا تزال بحاجة إلى أدلة بشرية أقوى.
أما لدى المصابين بتشمّع الكبد واحتباس السوائل، فإن تقليل الصوديوم قد يكون جزءا مهما من الخطة العلاجية التي يحددها الطبيب. وبالنسبة إلى الجميع، يبقى الاعتدال في تناول الملح، واختيار الأطعمة الطازجة، وقراءة الملصقات الغذائية، خطوات عملية لدعم الصحة على المدى الطويل.

