
لم تكن الجلسة، التي أدارها باقتدار الناقد فادي ج. حدّاد، مجرد استعراض لمسيرة لامعة. بل كانت خريطة طريق لأي شخص يحلم بدخول هذا العالم القاسي. ما سمعناه في تلك الأمسية الاستثنائية يتجاوز بكثير “كواليس” الأفلام، إنه كواليس النفس البشرية.
هند صبري مهرجان عمّان: من تونس إلى أيقونة عربية
عندما صعدت هند صبري إلى خشبة المسرح، لم تكن وحدها. كان معها شريط طويل من الذكريات يمتد من شوارع تونس العتيقة حيث بدأت القصة، إلى أضواء القاهرة التي صقلت موهبتها وجعلت منها اسماً لا يُنسى. الجلسة التي حملت عنوان “رحلة غنية في السينما العربية” كانت في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير.
لقد كان عنوان هند صبري مهرجان عمّان هذا العام بمثابة اعتراف متبادل: المهرجان يعترف بقامتها، وهي تعترف للمهرجان بأسرار لم تبح بها من قبل.
البداية التي لم تكن في الحسبان
المفاجأة الأولى التي كشفتها هند كانت عن “الصدفة” التي قادتها إلى التمثيل. لم تكن تحلم بأن تكون ممثلة. كانت طالبة حقوق، تؤمن بأن المحاماة هي طريقها. لكن في لحظة ما، انقلب كل شيء.
تحدثت عن فيلمها الأول “صمت القصور” لمفيدة التلاتلي، وكيف أن هذه التجربة زرعت فيها فيروس التمثيل الذي لم تجد له علاجاً حتى اليوم. “كنت في السادسة عشرة، ولم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستخطفني من عالم القانون إلى عالم الكاميرا إلى الأبد”، قالت والجمهور يصغي في صمت تام.
العبور إلى مصر: قرار أم قدر؟
لنكن صريحين، الانتقال من السينما التونسية إلى السينما المصرية ليس نزهة. إنه أشبه بالسباحة في محيط بعد أن كنت تسبح في بحيرة. هند روت تلك المرحلة بتفاصيل موجعة أحياناً.
كشفت لأول مرة عن المكالمة الهاتفية التي غيرت مسارها، عندما رشحها المخرج الراحل يوسف شاهين لدور في فيلم. “شاهين لم يكن يبحث عن ممثلة، كان يبحث عن شخصية. وعندما وجدني، شعرت أنه رأى فيّ شيئاً لم أره في نفسي بعد.” هذه الكلمات بالذات جعلت بعض الحضور يمسحون دموعهم.
الحقيقة التي لم تتوقعها هي أن الجمهور المصري تقبلها كواحدة منه. هذا القبول، كما شرحت، لم يأتِ من فراغ، بل من إصرارها على فهم الثقافة المصرية من الداخل، ليس فقط اللهجة، بل الروح.
فلسفة الاختيار: لماذا “لا” أهم من “نعم”؟
هنا تحولت الجلسة من سرد لسيرة ذاتية إلى ماستر كلاس في فن إدارة المهنة. الناقد فادي حدّاد سألها السؤال الذي يحرق كل ممثل شاب: “كيف تختارين أدوارك؟”. إجابة هند كانت الدرس الأهم في الأمسية.
“في بداياتي، كنت أقول نعم لكل شيء خوفاً من التوقف. لكنني تعلمت بالطريقة الصعبة أن الاعتذار عن دور سيئ هو استثمار في مسيرتك.” ثم أضافت بابتسامة واثقة: “أنا اليوم مديرة أعمال نفسي، وأعرف أن قيمة الممثل الحقيقية ليست في عدد أفلامه، بل في عدد الأدوار التي قال عنها الجمهور: هذه هند صبري ولا أحد غيرها.”
ما خفي كان أعظم. ألمحت إلى أن هناك أدواراً رفضتها وأثارت جدلاً واسعاً، لكنها لا تندم عليها. “الفلوس تأتي وتذهب، لكن الفيلم الرديء يظل يطاردك على يوتيوب للأبد”، قالت بضحكة صادقة هزت المسرح.
جدول زمني: أبرز محطات هند صبري في السينما العربية
خلال الجلسة، استعرضت هند أبرز أفلامها، وقد لخصناها لكم في هذا الجدول الذي يظهر تطور اختياراتها:
| العام | الفيلم / العمل | الدور | أهميته في مسيرتها |
|---|---|---|---|
| 1994 | صمت القصور | عالية الشابة | الانطلاقة الأولى واكتشاف الموهبة |
| 2004 | أحلى الأوقات | سلمى | العبور إلى السينما المصرية بقوة |
| 2008 | الجزيرة | فاطمة | تثبيت الأقدام في أدوار درامية معقدة |
| 2014 | أسوار القمر | زينب | تجسيد شخصية امرأة تفقد بصرها، تحدٍ تمثيلي هائل |
| 2019 | الفيل الأزرق 2 | لبنى | دخول عالم الغموض والإثارة بنجاح ساحق |
التحديات: وجه آخر للنجومية لا يُرى
الجلسة لم تكن كلها احتفاءً. هند، وبشجاعة لافتة، فتحت صندوق التحديات. تحدثت عن شعورها بأنها “ضيفة دائمة” في البدايات، وكيف كان عليها أن تعمل مرتين أكثر من أي ممثلة محلية لتثبت أنها تنتمي. “التحدي لم يكن في إتقان اللهجة المصرية فقط، بل في إقناع الجمهور بأنني أفهمهم، أفهم وجعهم وأحلامهم”، هذا ما قالته بصوت خافت.
ولكن الأهم، أنها وجهت رسالة مباشرة لكل امرأة عربية تعمل في مجال يهيمن عليه الرجال: “لا تجعلي أحداً يقنعك أن موهبتك لها تاريخ صلاحية، أو أن عمرك أو جنسيتك عائق. أنا الدليل الحي على أن الإصرار يكسر كل الحواجز.”
أسئلة شائعة حول هند صبري مهرجان عمّان
ما هو موعد جلسة هند صبري في مهرجان عمّان السينمائي؟
الجلسة الحوارية الرئيسية مع هند صبري ستُعقد في مسرح الرينبو، يوم 29 تموز (يوليو) في تمام الساعة السادسة مساءً. الجلسة مفتوحة للجمهور، ولكن يُنصح بالوصول مبكراً لضمان مكان، حيث يُتوقع حضور كبير يتجاوز سعة المسرح.
من هو مدير الجلسة الحوارية مع هند صبري؟
يدير الجلسة الناقد السينمائي والصحفي المعروف فادي ج. حدّاد، وهو من الأسماء البارزة في الصحافة الفنية العربية. اختياره لم يأتِ من فراغ، فهو معروف بأسلوبه العميق وغير التقليدي في استخراج الاعترافات الفنية من ضيوفه، مما جعله الخيار الأمثل لإدارة حوار بهذا العمق مع نجمة بحجم هند صبري.
هل هناك فعاليات أخرى مرافقة للجلسة؟
نعم، جلسة هند صبري هي جزء من برنامج “أيام عمان لصناع الأفلام” الذي يتضمن ماستر كلاس وورش عمل ولقاءات مفتوحة مع نخبة من صناع السينما العرب والعالميين. البرنامج بأكمله صُمم ليكون منصة تفاعلية تجمع الجمهور بصناع الأفلام، وليس مجرد عروض سينمائية تقليدية.
مهرجان عمّان السينمائي: منصة للحوار الحقيقي
جلسة هند صبري مهرجان عمّان ليست مجرد فعالية عابرة في روزنامة المهرجان. إنها تعبير حي عن رؤية أعمق تبناها المهرجان في دورته السابعة. فالمهرجان، كما أوضح القائمون عليه، يسعى ليكون أكثر من مجرد عروض أفلام؛ إنه مساحة للتفكير النقدي، ولقاء الأجيال، وتفكيك التحديات التي تواجه الصناعة.
من خلال استضافة شخصيات مثل هند صبري، يثبت المهرجان أنه ليس مجرد منافس في سباق المهرجانات العربية، بل هو مختبر للأفكار. الموقع الرسمي للمهرجان يقدم تفاصيل أوسع عن الفلسفة الكامنة وراء اختيار الضيوف والبرامج.
الرسالة الأخيرة: ما الذي يبقى بعد انتهاء الجلسة؟
بعد أن أُسدل الستار وغادرت هند صبري المسرح وسط تصفيق حار، بقي شيء ما معلقاً في هواء مسرح الرينبو. لم تكن مجرد جلسة حوارية، كانت وصية فنية لجيل كامل. علمتنا هند في ساعة واحدة أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الطريق من تونس إلى القاهرة ليس مجرد مسافة جغرافية، بل هو رحلة في أعماق الذات، مليئة بالرفض، والخوف، واللحظات التي تقف فيها على الحافة.
والدرس الأهم الذي يجب أن يخرج به كل من تابع هذا الحدث: لا تنتظر الإذن من أحد. اصنع فرصتك، قاتل من أجل حلمك، وتذكّر أن أروع القصص السينمائية هي تلك التي تُكتب خارج السيناريو. نحن في “الحدث الفني” نعدكم بمتابعة كل كواليس وفعاليات المهرجان. شاركونا آراءكم: لو سنحت لكم فرصة سؤال هند صبري، ماذا كنتم ستسألونها؟





