
ما خفي كان أعظم. فالادعاءات لا تتحدث فقط عن تتبع ما تشاهده، بل عن تسجيل صوتك ومسح شبكة منزلك وتخزين البيانات.
الحقيقة تكمن في التفاصيل. لننتقل للجانب الأهم.
التلفزيون الذكي يتجسس: تفاصيل التحقيق الاستقصائي
قبل أيام، نشرت قناة “جيمرز نيكسوس” (Gamers Nexus) على يوتيوب تحقيقًا بعنوان “216,000,000 Spy TVs”، بالتعاون مع قناة Level1Techs وباحثين مستقلين في الأمن السيبراني[reference:0].
التحقيق استغرق 500 ساعة من العمل، وبلغت تكلفته 70 ألف دولار. الهدف كان الإجابة على سؤال واحد: ماذا يفعل تلفزيون LG الذكي عندما نتركه وشأنه؟[reference:1]
النتائج كانت صادمة للكثيرين.
ما الذي وجده الباحثون بالضبط؟
الباحثون فككوا تلفزيونات OLED من LG، واستخدموا أدوات تحليل الشبكة لمراقبة ما يحدث على مستوى البيانات.
الاكتشاف الأول: التلفزيون يسجل الصوت المحيط عبر الميكروفون المدمج حتى عندما تكون الشاشة مطفأة.
الاكتشاف الثاني: التسجيلات تُخزَّن محليًا في ذاكرة الجهاز دون تشفير، ثم تُرسل إلى خوادم الشركة فور استعادة الاتصال بالإنترنت[reference:2].
الاكتشاف الثالث: التلفزيون يقوم بمسح دوري لشبكة الـ Wi-Fi المنزلية، ويتعرف على الأجهزة المتصلة: الهواتف، الساعات الذكية، وحتى الطابعات[reference:3].
الاكتشاف الرابع: ثغرات أمنية خطيرة قد تسمح باختراق التلفزيون وتحويله إلى “جهاز تنصت خفي”[reference:4].
كيف يعمل نظام ACR الذي يقف خلف كل هذا؟
لفهم ما يحدث، يجب أولاً فهم تقنية التعرف التلقائي على المحتوى (ACR).
ACR هي تقنية تعمل مثل تطبيق Shazam. يأخذ التلفزيون عينات صوتية أو بصرية قصيرة جدًا من المحتوى المعروض، ويحولها إلى “بصمة” رقمية، ثم يقارنها بقاعدة بيانات ضخمة لمعرفة ما تشاهده[reference:5].
الغرض الرسمي: تخصيص الإعلانات والتوصيات.
لكن المشكلة، بحسب الباحثين، أن ACR في تلفزيونات LG لا يتوقف عند التطبيقات المدمجة. إنه يمتد ليشمل أي محتوى يمر عبر منافذ HDMI، بما في ذلك أجهزة الألعاب والحواسيب المحمولة[reference:6].
الأخطر من ذلك، أن الباحثين وجدوا أن نافذة التعرف الصوتي تظل مفتوحة لمدة 10 إلى 15 ثانية بعد انتهاء أي أمر صوتي، وخلال هذه الفترة يمكن للتلفزيون أن يسجل ما يُقال في الغرفة ويحوله إلى نص[reference:7].
رد LG: “الادعاءات غير صحيحة”
في 12 سبتمبر 2026، أصدرت LG بيانًا رسميًا رفضت فيه الادعاءات جملة وتفصيلًا.
وقال متحدث باسم الشركة لموقع Tom’s Hardware: “الادعاءات الواردة في الفيديو المنشور مؤخرًا غير صحيحة. تلفزيونات LG لا تعالج البيانات الصوتية إلا عندما يتم الضغط مع الاستمرار على زر الصوت في جهاز التحكم عن بعد، أو عند التعرف على كلمة تنبيه مثل ‘Hi LG’ بعد تفعيل المستخدم لميزة التعرف الصوتي بعيد المدى”[reference:8].
وأضافت الشركة أن معالجة الصوت تتم محليًا على التلفزيون، وأن نافذة الاستماع تنتهي تلقائيًا بعد حوالي 10 ثوانٍ إذا لم يتم اكتشاف كلام، بحد أقصى 18 ثانية للجلسة الواحدة[reference:9].
أما بخصوص ACR، فأوضحت LG أنها تستخدم “بصمة صوتية” وليس تسجيلًا كاملًا، وأن هذه الميزة لا تعمل افتراضيًا بل تتطلب موافقة المستخدم[reference:10].
لكن الباحثين لم يقتنعوا
ستيف بيرك من Gamers Nexus رد قائلًا إن رد LG يعالج نسخة أضيق من الادعاءات الأصلية.
ما وثقه الباحثون ليس تسجيلًا مستمرًا، بل “تسجيلات صوتية عازلة” تُخزَّن أثناء وضع الاستعداد، ثم تُرسل فور عودة الاتصال. وهذا بالضبط ما لم يشرحه بيان LG[reference:11].
كما أن توثيق الاستخدام الذي أشار إليه الباحثون يبلغ طوله حوالي 50 ألف كلمة، ويستغرق قراءته ساعات. وهذا ليس “موافقة مستنيرة”، بحسب وصفهم[reference:12].
خريطة المنزل: كيف يعرف التلفزيون من يسكن معك.
لننتقل للجانب الأهم. الجزء الأكثر إثارة للقلق في التحقيق ليس التسجيل الصوتي، بل قدرة التلفزيون على رسم خريطة كاملة للأجهزة في منزلك.
الباحثون وجدوا أن التلفزيون يمسح شبكة الواي فاي ويسجل الأجهزة المتصلة: الهواتف، الساعات، وحتى الطابعات[reference:13].
هذا يفسر التناقض الغريب الذي كشفه التحقيق: LG تقول إن لديها 216 مليون تلفزيون ذكي حول العالم، لكنها تملك بيانات عن 363 مليون جهاز ثانوي. الفرق البالغ 147 مليون جهاز هو تلك الأجهزة الأخرى في المنزل التي لا يملكها التلفزيون، لكنه يراقبها[reference:14].
وقال أحد مديري LG Ad Solutions في تصريحات سابقة: “نعرف من يوجد في المنازل التي تستخدم LG، ونعرف الأجهزة الموجودة هناك”[reference:15].
هذه ليست مجرد بيانات مشاهد. إنها خريطة ديموغرافية للأسرة.
جدول: ما يجمعه التلفزيون الذكي من بيانات
لتسهيل الفهم، إليك جدولًا يلخص أنواع البيانات التي يرصدها الباحثون:
| نوع البيانات | الوصف | مستوى الخطورة |
|---|---|---|
| بصمات المحتوى (ACR) | تحديد ما تشاهده عبر التطبيقات وحتى HDMI | متوسطة |
| تسجيلات صوتية مخزنة | مقاطع صوتية تُخزن محليًا وتُرسل لاحقًا | عالية |
| مسح شبكة الواي فاي | التعرف على كل الأجهزة المتصلة بالمنزل | عالية |
| موقع المستخدم وعنوان IP | تحديد الموقع الجغرافي للشبكة | متوسطة |
| ثغرات أمنية قابلة للاستغلال | إمكانية اختراق التلفزيون للتنصت | عالية جدًا |
الحقيقة تكمن في أن الجدول وحده لا يعكس حجم المشكلة. المشكلة في الترابط بين هذه البيانات.
ما الذي يعنيه هذا لمستخدم التلفزيون الذكي العربي؟
قد يقول البعض: “أنا لا أملك تلفزيون LG”. لكن المشكلة أوسع من علامة تجارية واحدة.
ACR موجودة في معظم التلفزيونات الذكية: سامسونج، سوني، فيزيو، وغيرها. الغرض واحد: معرفة ما تشاهده لعرض إعلانات موجهة[reference:16].
في السوق العربي، لا توجد حتى الآن قوانين خصوصية رقمية صارمة تحمي المستخدمين من هذه الممارسات. في الولايات المتحدة، سوت LG مع ولاية تكساس في مايو 2026 بعد اتهامات تتعلق بممارسات التتبع وجمع البيانات[reference:17].
هذا يعني أن المستخدم العربي يعتمد على وعيه الشخصي أكثر من أي شيء آخر.
كيف تمنع التلفزيون الذكي من التجسس عليك؟
الخبر الجيد: هناك خطوات عملية يمكنك اتخاذها لتقليل المخاطر.
- تعطيل ACR: اذهب إلى الإعدادات > عام > النظام > إعدادات متقدمة > Live Plus، وقم بإيقاف التشغيل[reference:18].
- تعطيل الميكروفون: إذا كان تلفزيونك لا يحتاج المساعد الصوتي، أوقف الميكروفون المدمج من الإعدادات.
- فصل التلفزيون عن الإنترنت: استخدم أجهزة بث خارجية مثل Apple TV أو شاومي بوكس بدلًا من توصيل التلفزيون مباشرة.
- مراجعة الأذونات: في مرحلة الإعداد الأولي، ارفض كل الأذونات غير الضرورية.
- قطع الطاقة: إذا كنت قلقًا جدًا، افصل التلفزيون من الكهرباء تمامًا عند عدم استخدامه، وليس فقط من الريموت.
لكن انتبه: حتى فصل الإنترنت لا يمنع التسجيل المحلي. البيانات تظل مخزنة داخل التلفزيون حتى تعيد الاتصال[reference:19].
للمزيد من التفاصيل التقنية حول ACR، يمكن الرجوع إلى دراسة أكاديمية نُشرت عام 2024 من جامعة UCL، والتي وصفت ACR بأنها “تقنية تتبع فريدة” تحلل سلوك المشاهدة.
أسئلة شائعة حول التلفزيون الذكي يتجسس
هل يسجل التلفزيون الذكي محادثاتي دون علمي؟
بحسب التحقيق، نعم في بعض الحالات. الباحثون وثقوا تسجيلات صوتية تُخزن أثناء وضع الاستعداد. لكن LG تنفي ذلك، وتؤكد أن الصوت لا يُعالج إلا بعد تفعيل المساعد الصوتي.
كيف أعرف إذا كان تلفزيوني يسجل صوتي؟
لا يمكن للمستخدم العادي معرفة ذلك بسهولة. لكن إذا لاحظت نشاطًا غير معتاد على الشبكة أثناء إطفاء الشاشة، فقد يكون التلفزيون يرسل بيانات. يمكن استخدام أدوات تحليل الشبكة المتقدمة للمراقبة.
هل فصل التلفزيون عن الإنترنت يوقف جمع البيانات؟
لا. التحقيق أظهر أن البيانات تُخزن محليًا داخل ذاكرة التلفزيون، وتُرسل فور عودة الاتصال. الحل الوحيد هو فصل التلفزيون من الكهرباء تمامًا.
الخلاصة: حين تصبح الشاشة عينًا لا نرى
ما نراه اليوم ليس مجرد تحقيق تقني عابر. إنه لحظة كشف عن منظومة كاملة تعمل في صمت، حيث تتحول الأجهزة التي تدفع ثمنها لتريحك إلى أدوات لجمع البيانات عنك.
LG تنفي، والباحثون يقدمون أدلة. لكن الحقيقة الأهم ليست في من يصدق من.
الحقيقة تكمن في أن الوعي هو خط الدفاع الأول. معرفة أن ACR موجودة، وأن الميكروفون قد يكون نشطًا، وأن شبكة منزلك قد تكون ممسوحة، هي الخطوة الأولى نحو حماية خصوصيتك.

