
عاشت قبل 66 مليون سنة.. اكتشاف ديناصورات كانت تتغذى على الفاكهة
في أحد مختبرات جامعة ستوني بروك، وضع فريق من علماء الحفريات قطعة حجرية صغيرة تحت جهاز التصوير المقطعي. لم تكن تبدو كشيء يستحق الاحتفال، لكن ما ظهر على الشاشة جعل الجميع يلتقط أنفاسه. كانت جمجمة شبه كاملة لكائن لم يعرف أحد كيف كان شكله من قبل. وبعد أشهر من التحليل، خرج اكتشاف ديناصور غريب إلى النور حاملاً اسماً غير متوقع: «دجاجة الجحيم». لم يكن الأمر مجرد نوع جديد، بل كان حالة نادرة تكشف كيف تكيفت الحياة قبل الانقراض الكبير.
ما خفي كان أعظم. فخلف الاسم الطريف الذي انتشر بسرعة على وسائل التواصل، تقف دراسة علمية جادة نُشرت في مجلة Nature Communications، شارك فيها باحثون من ثلاث مؤسسات دولية. الحقيقة تكمن في أن هذا الكائن لا يشبه ما نعرفه عن الديناصورات، لا في غذائه ولا في طريقة مضغه. لننتقل للجانب الأهم، حيث نفكك الاكتشاف نقطة بنقطة.
اكتشاف ديناصور «دجاجة الجحيم»: ماذا كشف العلماء؟
أعلن فريق دولي من علماء الحفريات عن اكتشاف ديناصور كان يفضل تناول الفاكهة بدلاً من اللحوم أو الأعشاب، وهو الأول من نوعه الذي طوّر عضلات مضغ لهرس الطعام اللين لعدم وجود أسنان لديه. نُشرت النتائج في مجلة Nature Communications من قبل باحثين من جامعة ستوني بروك، ومتحف أونتاريو الملكي، وهيئة المسح الجيولوجي في ولاية داكوتا الشمالية.
يُعرف الكائن علمياً باسم «Infernogallus jamesi»، وهو اسم يعني «دجاجة الجحيم». كان ذا ريش، وعاش في أمريكا الشمالية قبل حوالي 66 مليون سنة، قرب نهاية العصر الطباشيري. وينتمي إلى مجموعة من الديناصورات عديمة الأسنان الشبيهة بالطيور تسمى «الكايناغناثيدات»، والتي بلغ وزنها حوالي 12 كيلوجراماً، أي بحجم الديك الرومي تقريباً.
لماذا الاسم مثير للجدل؟
اختيار اسم «دجاجة الجحيم» لم يكن عبثياً. فالكلمة الأولى تشير إلى حجمه وشكله الشبيه بالطيور، بينما تشير الثانية إلى أنه عاش قرب نهاية العصر الطباشيري، أي في الفترة التي شهدت الانقراض الجماعي. هذا الاسم، رغم طبيعته الجاذبة، يحمل في طياته دلالة زمنية دقيقة: الكائن كان من آخر من عاش قبل أن تختفي الديناصورات غير الطيرية.
لكن الاسم وحده لا يكفي لفهم أهمية الاكتشاف. فالقيمة الحقيقية تكمن في جمجمته. فقد درس الفريق جمجمة الديناصور لفهم طريقة تغذيته، ووجدوا أنه تكيف لهرس الفاكهة الطرية واللحمية باستخدام آلية مضغ غير مألوفة. وهنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة في القصة.
جدول يلخص أبرز تفاصيل الاكتشاف
| العنصر | التفاصيل |
|---|---|
| الاسم العلمي | Infernogallus jamesi |
| الاسم الشائع | دجاجة الجحيم |
| العمر | حوالي 66 مليون سنة |
| الحجم | بحجم الديك الرومي، نحو 12 كيلوجراماً |
| الموطن | أمريكا الشمالية |
| العائلة | الكايناغناثيدات (عديمة الأسنان) |
| النظام الغذائي | الفاكهة الطرية واللحمية |
| المجلة العلمية | Nature Communications |
جمجمة مصممة للمضغ: كيف بدأ الاكتشاف؟
بدأ اكتشاف ديناصور دجاجة الجحيم بالعثور على أحفورة نادرة لجمجمة شبه مكتملة وأجزاء من الهيكل العظمي. ثم أعاد العلماء بناء الجمجمة باستخدام التصوير المقطعي المحوسب، مما سمح لهم بفحص عظام الديناصور رقمياً وكيفية عمل عضلات فكه دون الحاجة إلى تحطيم العينة.
وعلى عكس العضة «العمودية» لدى العديد من الديناصورات، يبدو أن هذا الديناصور كان يحرك فكه السفلي للأمام والخلف أثناء المضغ. وكان لتجويف فمه شكل غير مألوف، مما غيّر وضعية عضلات المضغ لديه. وهذه الآلية تشبه إلى حد بعيد آلية تغذية الببغاوات آكلة الفاكهة في العصر الحالي.
هذه التفاصيل هي ما يجعل «دجاجة الجحيم» حالة استثنائية. فالديناصورات التي فقدت أسنانها عادة ما تتجه إلى أنظمة غذائية أخرى، لكن هذا الكائن طور بديلاً تشريحياً كاملاً للمضغ. إنها ليست مجرد حكاية غريبة، بل دليل على مرونة التطور في مواجهة التغيرات البيئية.
ماذا قال العلماء عن الاكتشاف؟
قال المؤلف الرئيسي للدراسة، والأستاذ المساعد في جامعة ستوني بروك، جريج فنستون، إنهم كانوا يعلمون أن الديناصورات تطورت لتؤدي أدواراً مختلفة في النظم البيئية خلال العصر الطباشيري، لكنهم لم يتوقعوا أبداً اكتشاف ديناصور يتغذى على الفاكهة. وأضاف: «لأكثر من 100 عام، لم نكن نعرف كيف تبدو جماجم هذه الحيوانات، أما الآن، نعلم أنها كانت أغرب مما كنا نتوقع».
من جانبه، أشار المؤلف المشارك توماس ديدجون، وهو زميل باحث ما بعد الدكتوراه، إلى أنه من النادر جداً أن تتخصص الحيوانات في نظام غذائي يعتمد على الفاكهة، لذلك عندما يحدث ذلك، فإنه يأتي مصحوباً ببعض التكيفات الرائعة. وأكد أن تشريح «إنفيرنوجالوس» غريب بين الديناصورات، وأن الفريق أدرك سريعاً أنه يتعامل مع شيء مميز.
أما ديفيد إيفانز، أحد المؤلفين الرئيسيين، فقد أوضح أن البقايا الكاملة للديناصورات الصغيرة مثل «إنفيرنوجالوس» تعد نادرة للغاية في السجل الأحفوري، لذا يمثل اكتشاف ديناصور بهذا الشكل حدثاً مثيراً للاهتمام. وأضاف أن الاكتشاف «يُظهر أن أمامنا الكثير لنتعلمه عن عالم التيرانوصور ريكس، وعن الديناصورات بشكل عام».
الفاكهة والنباتات المزهرة: علاقة غيّرت النظام البيئي
لفهم لماذا ظهر كائن مثل «دجاجة الجحيم»، يجب العودة إلى التحول الكبير الذي شهده العصر الطباشيري. فقد ازدادت شعبية النباتات المزهرة، ما جعل الفاكهة مصدراً بديلاً للغذاء للحيوانات. وهذه نقطة جوهرية يشرحها ديدجون، الذي أشار إلى أن الحيوانات التي تناولت هذه الفاكهة ساعدت في نشر بذورها والسماح للنباتات بالنمو في مناطق جديدة.
وهنا تتضح صورة أوسع: العلاقة لم تكن أحادية الاتجاه. النباتات وفّرت الغذاء، والحيوانات ساعدت في انتشارها. وهذا التفاعل بين الكائنات والنباتات هو أحد أهم محركات التنوع البيولوجي في تلك الحقبة. واكتشاف ديناصور متخصص في أكل الفاكهة يضيف قطعة مهمة إلى هذه الصورة.
هل كان الديناصور آكل الفاكهة نادراً فعلاً؟
نعم، وفقاً للدراسة. فالتخصص الغذائي في الفاكهة نادر بين الحيوانات المنقرضة، ليس فقط بسبب محدودية المصدر، بل لأن هضم الفاكهة يحتاج إلى تكيفات خاصة. وفي حالة «دجاجة الجحيم»، لم يكن الأمر مجرد تفضيل غذائي، بل تغير تشريحي كامل في الفك والعضلات.
هذا يطرح سؤالاً مثيراً: كم من الكائنات الأخرى كانت متخصصة في أنظمة غذائية مشابهة ولم نكتشفها بعد؟ الإجابة تكمن في السجل الأحفوري نفسه، الذي يظل ناقصاً، خاصة فيما يتعلق بالكائنات الصغيرة. ولهذا فإن كل جمجمة شبه مكتملة تمثل نافذة نادرة على عالم مضى. وكل اكتشاف ديناصور جديد يعيد ترتيب فهمنا لهذا العالم.
أسئلة شائعة حول اكتشاف ديناصور
س: ما هو الديناصور «دجاجة الجحيم» وما سبب تسميته بهذا الاسم؟
ج: هو نوع من الديناصورات عديمة الأسنان عاش قبل نحو 66 مليون سنة في أمريكا الشمالية، ويُعرف علمياً باسم Infernogallus jamesi. سُمي «دجاجة الجحيم» بسبب حجمه الشبيه بالديك الرومي من جهة، ولأنه عاش قرب نهاية العصر الطباشيري، الفترة التي سبقت الانقراض الجماعي، من جهة أخرى. وهذا اكتشاف ديناصور يضيف نوعاً جديداً إلى سجل الكائنات عديمة الأسنان.
س: هل كان الديناصور يتغذى على الفاكهة فقط؟
ج: تشير الدراسة إلى أنه كان متخصصاً في تناول الفاكهة الطرية واللحمية، بعد أن فقد أسنانه وطوّر آلية مضغ بديلة. لكن تحديد النظام الغذائي بشكل قاطع يحتاج إلى أدلة إضافية من محتوى المعدة أو تحليل نظائر العظام. ومع ذلك، فإن اكتشاف ديناصور بهذه الخصائص يفتح مجالاً لدراسات أوسع.
س: كيف تمكّن العلماء من دراسة جمجمة الديناصور دون تدميرها؟
ج: استخدم الفريق التصوير المقطعي المحوسب لإعادة بناء الجمجمة رقمياً، مما سمح لهم بفحص العظام الداخلية وعضلات الفك دون الحاجة إلى تحطيم الأحفورة. هذه التقنية أصبحت أداة أساسية في علم الحفريات الحديث، لأنها تحافظ على العينة الأصلية وتكشف تفاصيل كان من الصعب الوصول إليها. وبفضلها أصبح اكتشاف ديناصور بهذا التعقيد قابلاً للدراسة دون خسارة العينة.
لمتابعة أحدث الاكتشافات الحفرية المنشورة، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي لمجلة Nature Communications: Nature Communications.
في نهاية هذا التحقيق، يبقى اكتشاف ديناصور «دجاجة الجحيم» تذكيراً بأن ما نعرفه عن الماضي ليس نهائياً. فجمجمة واحدة، عثر عليها بالصدفة، كافية لتغيير فهمنا لكيفية تكيف الكائنات قبل الانقراض الكبير. والعبرة ليست في الاسم الطريف، بل في السؤال الذي يطرحه: كم من القصص ما زالت مدفونة تحت الأرض، تنتظر من يقرأها؟
ما رأيك في هذا الاكتشاف؟ وهل تعتقد أن السجل الأحفوري ما زال يخفي كائنات أغرب؟ شاركنا في التعليقات، ولا تنس مشاركة هذا المقال مع محبي العلوم والاكتشافات.

