منوعات عامة

حقيقة السكر الأبيض: هل خدعونا طوال السنوات الماضية؟

في زمن كثرت فيه التحذيرات من “السم الأبيض”، خرج علينا الطبيب المصري الراحل الدكتور ضياء العوضي بتصريح صادم، زعم فيه أن “السكر ليس سماً أبيض” وأننا “خُدعنا لسنوات طويلة”. هذا التصريح الذي نشره في فيديو على يوتيوب في 24 يناير 2026، لم يمر مرور الكرام، بل أشعل حرباً كلامية بين من يرون في السكر العدو الأول للصحة، وبين من يتمسكون بأنه مصدر طاقة لا غنى عنه.ولكن، بعيداً عن صخب وسائل التواصل، ماذا يقول العلم حقاً عن حقيقة السكر الأبيض؟ هل نحن أمام مبالغة جماعية، أم أن الدكتور العوضي كان يغرد خارج سرب الطب المُسند بالدليل؟

1. من هو الدكتور ضياء العوضي؟ صاحب التصريح المثير

لفهم سياق التصريح، يجب أن نعرف أن الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي (1979 – 19 أبريل 2026) كان أستاذاً مساعداً في قسم الرعاية المركزة بكلية الطب جامعة عين شمس، واستشارياً في التغذية العلاجية. اشتهر العوضي بتأسيسه “نظام الطيبات” الغذائي، الذي قسم الأطعمة إلى “خبيثة وسامة” وأخرى “طيبة ومستشفية”، داعياً إلى الصيام المتقطع وتقليل الوجبات. أثارت آراؤه غير التقليدية حول مقاومة الأنسولين وعلاج السكري جدلاً طبياً واسعاً، انتهى بقرار نقابة الأطباء المصرية “إسقاط عضويته وشطبه من سجلات المهنة” في مارس 2026، قبل وفاته المفاجئة في دبي في أبريل من نفس العام.

2. تفنيد التصريح: بين “السكر ليس سماً” و”السكر أصل الداء”

لفهم حقيقة السكر الأبيض، يجب أن ننظر إلى التصريح من زاويتين متكاملتين.

2.1. ماذا كان يقصد العوضي بالضبط؟

في الفيديو الذي نشره، فند العوضي مقولة “السم الأبيض” قائلاً إن السكر “منتج طبيعي وعادي”، بل واعتبره “من أعظم ما أنتجته البشرية”. وأشار إلى أن العسل في أصله مكون من السكر، وكشف – بحسب وصفه – “حقيقة علمية” مغايرة لما هو شائع. كما اعتبر أن مرض السكري “ليس مرضاً تقليدياً بقدر ما هو حالة مؤقتة من ارتفاع السكر”، مؤكداً أن الجسم “ينتج السكر ذاتياً”.

يرى بعض مؤيديه أن العوضي لم يكن يقصد الترويج للسكر الأبيض المكرر، بل كان يهاجم فكرة “شيطنة” جميع أنواع السكريات بشكل مطلق، داعياً إلى التمييز بين السكر الطبيعي الموجود في الفواكه والعسل، والسكر المضاف الموجود في الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات الغازية.

2.2. ماذا يقول العلم الحديث؟

على الجانب الآخر، تضعنا الأدلة العلمية أمام صورة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد وصف السكر بأنه “سم” أو “غير سم”. يلخص العلم الحديث حقيقة السكر الأبيض في ثلاث نقاط أساسية:

  • السكر الطبيعي ليس هو المشكلة: السكر الموجود بشكل طبيعي في الفواكه، الخضار، الحبوب الكاملة، ومنتجات الألبان، لا يُعتبر ضاراً في حد ذاته. بل على العكس، فهو يمد الجسم بالطاقة بشكل متوازن، ويرافقه مجموعة من الألياف والفيتامينات والمعادن التي تعزز الصحة. حتى أن جمعيتي السكري الأمريكية والبريطانية تصفان مقولة “تناول السكر يسبب السكري” بأنها خرافة، فالسكري من النوع الأول مناعي ذاتي، والنوع الثاني مرتبط بالسمنة والعوامل الوراثية والخمول البدني وليس السكر بذاته.
  • المشكلة الحقيقية هي “المصدر” والكمية”: بيت القصيد في حقيقة السكر الأبيض هو أن الخطر لا يكمن في السكر نفسه، بل في “السكر المضاف” (Added Sugar) الذي يُضاف بكميات هائلة إلى آلاف المنتجات المصنعة مثل المشروبات الغازية، البسكويت، الكاتشب، وحتى اللحوم المقددة. هذه الأطعمة فائقة المعالجة تقدم سعرات حرارية فارغة (خالية من أي قيمة غذائية) وترفع سكر الدم بسرعة، مما يجهد البنكرياس ويؤدي إلى السمنة والالتهابات المزمنة. لذلك، توصي جمعية القلب الأمريكية بالحد من السكر المضاف إلى 36 جراماً فقط يومياً للرجال و25 جراماً للنساء.
  • شرب السكر قد يكون هو الخطر الأكبر: في دراسة حديثة نشرتها دورية “Advances in Nutrition” وحللت 29 دراسة حول عادات أكثر من نصف مليون شخص، وجد الباحثون أن تناول المشروبات المحلاة بالسكر (مثل الصودا ومشروبات الطاقة) يزيد من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 25% لكل 340 مل يتم تناولها يومياً. بينما الأطعمة الصلبة المحلاة بالسكر (مثل البسكويت) لم تظهر نفس الارتباط الخطير، مما يشير إلى أن السياق والشكل الذي نتناول فيه السكر قد يكون أهم من السكر نفسه.

3. الرأي العلمي المعتدل: تحليل نهائي

في ضوء كل ما سبق، يمكننا القول إن حقيقة السكر الأبيض هي أن “الجرعة تصنع السم”، وأن المصدر هو الفيصل. لقد بالغ الدكتور العوضي في تبسيطه للأمور، فالسكر ليس عدواً مطلقاً كما صورته بعض حملات التوعية المتطرفة، ولكنه – في الوقت نفسه – ليس بريئاً تماماً كما صوره هو.

المشكلة الحقيقية التي تواجه العالم اليوم ليست في مكعب السكر الذي نضعه في كوب الشاي، بل في الكميات الهائلة من السكر المضاف التي نتناولها يومياً دون أن ندري من خلال الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات الغازية. وقد ذهب العوضي بعيداً بتصريحات أكثر إثارة للجدل، مثل اعتبار أن الأنسولين هو “السبب الوحيد للسمنة” وأنه يمنع وصول السكر إلى الخلايا، وهي ادعاءات تتعارض مع العلم الحديث وأدت إلى شطبه من نقابة الأطباء.

الحكمة تقتضي حلاً وسطاً: تجنبوا الإفراط في تناول الحلويات والمشروبات الغازية، وركزوا على السكريات الطبيعية في الفواكه والخضار، وتذكروا أن السكر ليس العدو، بل “السكر المخفي” في كل ما هو مُصنع ومُعلب.

أسئلة شائعة حول حقيقة السكر الأبيض

س: ما هو الدليل على أن السكر يؤثر على الدماغ مثل المخدرات؟

ج: بالفعل، تُظهر الدراسات أن استهلاك السكر يحفز نظام الدوبامين في الدماغ، وهو المسؤول عن الإحساس بالمكافأة والسعادة. ومع التكرار، تتراجع الاستجابة لهذه المكافأة، مما يدفع الشخص لتناول كميات أكبر للحصول على نفس الشعور بالمتعة، وهي آلية مماثلة لما يحدث في الإدمان.

س: كيف يمكن التمييز بين السكر الطبيعي والسكر المضاف على الملصقات الغذائية؟

ج: السكر الطبيعي لا يُدرج كمكون منفصل، فهو جزء من الغذاء الكامل. أما السكر المضاف (Added Sugar) فيظهر في قائمة المكونات بأسماء مختلفة مثل: شراب الذرة عالي الفركتوز، سكروز، دكستروز، عصير قصب مبخر، شراب الأرز البني، وغيرها. ابحث أيضاً عن جدول “السكريات المضافة” على الملصق الغذائي.

س: هل النظام الذي كان يتبعه الدكتور ضياء العوضي “نظام الطيبات” صحي؟

ج: خلصت نقابة الأطباء المصرية إلى أن نظام الطيبات “لا يستند إلى أدلة علمية أو تجارب سريرية معتمدة”، واتخذت إجراءات تأديبية شملت منع العوضي من مزاولة المهنة. التغذية علم دقيق، وأي نظام يَعِد بحلول سحرية أو يصنف الأطعمة بشكل مطلق بين “خبيثة” و”مستشفية” يجب التعامل معه بحذر شديد. قبل اتباع أي نظام غذائي غير تقليدي، استشر طبيبك أو أخصائي تغذية معتمد.

نأمل أن يكون هذا التحليل قد أوضح لك أبعاد حقيقة السكر الأبيض، بعيداً عن الإثارة والجدل. هل تغيرت نظرتك للسكر بعد قراءة هذا المقال؟ شاركنا برأيك في التعليقات.

للمزيد من المعلومات حول مخاطر السكر، يمكنك زيارة دليل Webteb الشامل عن مخاطر تناول السكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى