إسرائيل الكبرى وخطة ترامب.. ما الذي يجري الحديث عنه بشأن مستقبل 5 دول عربية؟

في العشرين من فبراير 2026، كان بودكاست تاكر كارلسون يشهد لحظة لم تكن في الحسبان. سؤال واحد، بسيط في صياغته، ثقيل في تبعاته: “إذا كانت الأرض من النيل إلى الفرات قد وُعدت لإسرائيل في سفر التكوين، فهل يعني هذا أن لإسرائيل حقاً في كل هذه الأرض؟”. الجواب الذي جاء من مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، لم يكن دبلوماسياً: “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها” هذه الكلمة أشعلت موجة غضب عارمة في العواصم العربية، وأعادت إلى الواجهة مفهوماً طالما حاول البعض تجاهله: إسرائيل الكبرى. فما حقيقة هذا المفهوم؟ وما الذي قاله هاكابي بالضبط؟ ولماذا تتراجع العواصم العربية بين الإدانة والصمت.

إسرائيل الكبرى: ماذا قال السفير الأمريكي بالضبط؟

المقابلة، التي بُثت في 20 فبراير 2026 على برنامج “The Tucker Carlson Show”، لم تكن عن إسرائيل الكبرى فقط. تناولت غزة والعراق وإيران. لكن اللحظة الأكثر انفجاراً كانت حين قرأ كارلسون على هاكابي نصاً من سفر التكوين (الإصحاح 15)، وسأله: “هذه الأرض من النيل إلى الفرات. هل لإسرائيل حق فيها؟”. هاكابي، وهو قس معمداني سابق ومن أنصار الصهيونية المسيحية، لم يتردد: “أعتقد أن هذا صحيح”. ثم أضاف: “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”.

 

هذه الجملة لم تكن الوحيدة. حسب صحيفة “الغارديان”، أقرّ هاكابي بأن النص التوراتي يتحدث عن “أرض تمتد من وادي مصر إلى نهر الفرات”، وهي مساحة تشمل “أجزاء واسعة من دول الشرق الأوسط، من بينها الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى مناطق من السعودية والعراق” وحين ضغط عليه كارلسون أكثر، قال: “هم لا يطلبون أخذ كل ذلك، لكنهم على الأقل يطلبون أخذ الأرض التي يحتلونها الآن، ويعيشون فيها”.

 

ما خفي كان أعظم: التراجع الذي لم يقنع أحداً

بعد ساعات من انتشار التصريح، بدأ هاكابي في التراجع. وصف كلامه بأنه “مبالغة مجازية”، وقال إن إسرائيل “لا تريد الاستيلاء على الأردن أو سوريا أو العراق”. ثم اتهم كارلسون بـ”تحريف كلماته بشكل استراتيجي لصناعة رواية زائفة”، وأرسل النص الكامل للمقابلة إلى “عدد من القادة العرب” لتوضيح موقفه لكن هذا التراجع لم يغير شيئاً في العواصم العربية.

 

لماذا؟ لأن التراجع لم ينفِ المبدأ، بل نفى التطبيق الفوري فقط. هاكابي لم يقل “لا، ليس لإسرائيل حق في هذه الأرض”. قال إنها “لا تطلبها الآن”. وهذا فرق جوهري. في قراءة سياسية دقيقة، التراجع لم يكن عن الفكرة، بل عن توقيتها.

 

لماذا هذه المرة مختلفة؟ الفرق بين الخطاب والموقع

إسرائيل الكبرى ليست فكرة جديدة. هي مفهوم صهيوني ظهر في كتابات مفكرين صهاينة منذ بدايات القرن العشرين، وتتحدث عن حدود تمتد “من النيل إلى الفرات” استناداً إلى تفسيرات توراتية. لكن ما يجعل تصريح هاكابي مختلفاً ليس الفكرة، بل الموقع.

في السابق، كانت الفكرة تُطرح في أدبيات حزبية أو خطب دينية. أما اليوم، فهي تُطرح من منصة دبلوماسية رسمية، ومن سفير يمثل أكبر قوة عظمى في العالم. وهذا يخلق سابقة خطيرة: إذا كان السفير الأمريكي يرى أن “من الجيد” أن تأخذ إسرائيل كل هذه الأرض، فما الذي يمنع أن يتحول هذا الرأي إلى سياسة.

 

الخبراء يشيرون إلى أن هاكابي ليس صوتاً فردياً. هو جزء من تيار “الصهيونية المسيحية” داخل الحزب الجمهوري. هذا التيار لا يرى في إسرائيل مجرد حليف استراتيجي، بل جزءاً من مخطط إلهي. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن “حق توراتي” ليس مجرد كلام، بل هو أساس لسياسات قابلة للتنفيذ.

جدول: الدول التي تشملها خريطة “إسرائيل الكبرى” المزعومة

الدولة / المنطقةالجزء المشمول وفق التفسير التوراتيالوضع الراهن
فلسطين (الضفة الغربية وغزة)كامل الأرضتحت الاحتلال الإسرائيلي
الأردنأجزاء واسعة من المملكةدولة ذات سيادة ومعاهدة سلام مع إسرائيل
سورياجنوب سوريا وحتى نهر الفراتدولة في حالة صراع، وتوجد مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية
لبنانجنوب لبناندولة ذات سيادة، وتتعرض لعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة
العراقمناطق غرب العراق حتى الفراتدولة ذات سيادة
مصرشبه جزيرة سيناء حتى نهر النيلدولة ذات سيادة ومعاهدة سلام مع إسرائيل
السعوديةأجزاء من شمال غرب المملكةدولة ذات سيادة، وتجري مفاوضات تطبيع مع إسرائيل

الغضب العربي: إدانات قوية… وصمت مريب

ردود الفعل العربية جاءت سريعة. الأردن كان أول من رد، ووصف التصريحات بأنها “عبثية واستفزازية” و”تمثل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، ومساساً بسيادة دول المنطقة، ومخالفة صريحة للقانون الدولي”. السعودية اعتبرتها “غير مسؤولة” و”سابقة خطيرة”. مصر أكدت أن “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية”.

 

والأهم من ذلك، أن 14 دولة عربية وإسلامية أصدرت بياناً مشتركاً، بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، اعتبرت فيه التصريحات “انتهاكاً صارخاً” للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، و”تهديداً جسيماً لأمن المنطقة واستقرارها”.

 

بعض التحليلات تشير إلى أن ردود الفعل العربية، رغم قوتها اللفظية، جاءت “سلبية” في الإجراءات. لا مؤتمرات قمة طارئة، ولا سحب سفراء، ولا مراجعة لاتفاقيات التطبيع. والسبب واضح: الدول العربية التي أدانت التصريحات هي نفسها التي تربطها بالولايات المتحدة وإسرائيل مصالح استراتيجية واقتصادية لا تريد المساس بها. الإدانة، في هذا السياق، وسيلة للحفاظ على الشرعية الشعبية دون دفع تكلفة سياسية حقيقية.

ما علاقة “خطة ترامب” بالجدل؟

بعض التحليلات ربطت تصريح هاكابي بما يسمى “خطة ترامب” للشرق الأوسط. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. إدارة ترامب تعمل على استراتيجية واسعة لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران، تشمل إنشاء شراكة إقليمية لاحتواء طهران، وتطبيق خطة غزة، والتوصل إلى اتفاقات بين إسرائيل وسوريا ولبنان، وتوسيع اتفاقيات أبراهام.

 

لكن هذه الخطة، كما يشير محللون، لا تتضمن بالضرورة “إسرائيل الكبرى” كهدف معلن. بل إن بعض التحليلات ترى أن تصريحات هاكابي تتعارض مع خطة ترامب التي تتحدث عن “أفق للوصول إلى دولة فلسطينية” ومع ذلك، فإن صمت الإدارة الأمريكية وعدم إدانتها للتصريحات يثير تساؤلات حول ما إذا كانت “إسرائيل الكبرى” ليست سياسة معلنة، بل توجهاً ضمنياً.

 

والحقيقة التي تكمن هنا: لا توجد “خطة ترامب” موثقة لضم خمس دول عربية إلى إسرائيل. ما هناك هو تصريحات لسفير، وتفسيرات توراتية، وصمت رسمي، وتحليلات متضاربة. والفرق بين “خطة” و”تصريح” هو الفرق بين مؤامرة موثقة وسوء تقدير دبلوماسي.

 

ماذا يعني هذا للدول العربية المعنية؟

السؤال ليس عن نوايا إسرائيل، بل عن تداعيات التصريح على كل دولة ورد اسمها في الخريطة المزعومة.

  • الأردن: الدولة الأكثر تضرراً من أي حديث عن “وطن بديل” أو ضم. معاهدة السلام مع إسرائيل لم تحمها من التصريحات، لكنها قد تكون حائط الصد الأول.
  • مصر: سيناء هي الجزء المشمول في التفسير الأوسع. مصر، رغم معاهدة السلام، لن تقبل أي مساس بسيادتها، لكنها تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية قد تحد من خياراتها.
  • السعودية: أي حديث عن “أجزاء من السعودية” يمس شرعيتها الدينية والسياسية. لكن مفاوضات التطبيع مع إسرائيل قد تكون ورقة ضغط متبادلة.
  • سوريا ولبنان: الدولتان الأكثر هشاشة. سوريا خرجت من حرب مدمرة، ولبنان يعاني أزمة اقتصادية خانقة. أي ضغط إسرائيلي إضافي قد يكون كارثياً.
  • العراق: مناطق غرب العراق، وإن كانت أقل بروزاً في التصريحات، تظل جزءاً من الخريطة المزعومة.

 

أسئلة شائعة حول إسرائيل الكبرى

ما هي “إسرائيل الكبرى”؟

هو مفهوم صهيوني يشير إلى حدود جغرافية تمتد “من النيل إلى الفرات”، استناداً إلى تفسيرات توراتية لنصوص في سفر التكوين. يشمل هذا المفهوم، وفق التفسيرات الأوسع، أجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية وفلسطين. وهو مفهوم يرفضه العرب والفلسطينيون، ولا تعترف به الشرعية الدولية.

ماذا قال مايك هاكابي بالضبط عن إسرائيل الكبرى؟

خلال مقابلة مع تاكر كارلسون في 20 فبراير 2026، سُئل هاكابي عما إذا كان لإسرائيل حق في الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات وفق سفر التكوين، فأجاب: “أعتقد أن هذا صحيح… سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”. ثم حاول التراجع لاحقاً واصفاً كلامه بأنه “مبالغة مجازية”.

كيف ردت الدول العربية على تصريحات هاكابي؟

أدانت 14 دولة عربية وإسلامية، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، التصريحات في بيان مشترك وصفها بأنها “انتهاك صارخ” للقانون الدولي. الأردن كان أول من رد، ووصفها بأنها “عبثية واستفزازية”. لكن الردود اقتصرت على الإدانة اللفظية دون إجراءات تصعيدية ملموسة.

 

بين قس معمداني يجلس على كرسي دبلوماسي، وخريطة توراتية تتجاوز حدود أي دولة معترف بها، وبيانات عربية تُدان ولا تُغيّر شيئاً، يكشف تصريح هاكابي عن حقيقة مرة: إسرائيل الكبرى ليست مجرد أسطورة يرددها متطرفون. هي فكرة لها أنصار، ومن مواقع المسؤولية، ومن داخل الدوائر التي تصنع القرار. والسؤال الذي يبقى: إذا كان السفير الأمريكي يرى أن “من الجيد” أن تأخذ إسرائيل كل هذه الأرض، فماذا يمنع أن يتحول هذا الرأي إلى سياسة غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى