
حرب عالمية ثالثة: لماذا يعود عام 1914 في كل نقاش؟
الإجابة تبدأ من كتاب واحد: “The Sleepwalkers” للمؤرخ كريستوفر كلارك. الفكرة المركزية للكتاب مرعبة في بساطتها: الحرب العالمية الأولى لم تكن نتيجة قرار واحد. كانت نتيجة شبكة من القرارات التي بدت لكل طرف، في لحظتها، قابلة للتبرير.
هذا ما يجعل 1914 حاضراً اليوم. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن الحروب الكبرى لا تبدأ بإرادة واضحة. تبدأ بتراكم أزمات، وضعف مؤسسات، وتقديرات خاطئة يعجز النظام عن احتوائها.
الحقيقة تكمن في أن السؤال الأهم ليس “هل تريد الصين أو أمريكا أو روسيا حرباً عالمية؟”. الأرجح أنها لا تريد. السؤال الأهم هو: هل أصبح النظام الدولي أقل قدرة على منع الحروب الإقليمية من الالتقاء في نقطة واحدة؟
المؤشر الأول: سباق التسلح — حين يصبح السلاح هو اللغة
لا يعني ارتفاع الإنفاق العسكري أن حرب عالمية ثالثة باتت وشيكة. الدول تتسلح أيضاً من أجل الردع. لكنه يكشف تحولاً أعمق: القوى الكبرى أصبحت تنظر إلى البيئة الدولية بوصفها أقل أمناً، وبالتالي أصبحت القوة العسكرية أكثر مركزية في حساباتها.
والمفارقة أن هذا السعي إلى الأمن قد ينتج مزيداً من انعدام الأمن. حين تزيد دولة قدراتها العسكرية لحماية نفسها، قد ينظر خصمها إلى هذا التسلح كتهديد، فيزيد بدوره قدراته. يدخل الطرفان فيما يسميه منظرو العلاقات الدولية “المعضلة الأمنية”: الجميع يتسلح طلباً للأمن، لكن النتيجة أن الجميع يشعر بقدر أقل منه.
هذه الحلقة واضحة اليوم: أوروبا تزيد قدراتها الدفاعية بسبب الخوف من روسيا؛ روسيا تنظر إلى توسع الناتو كتهديد لأمنها؛ واشنطن تعزز تحالفاتها في المحيطين الهندي والهادئ لردع الصين؛ وبكين ترى في هذا الانتشار محاولة لمحاصرتها.
وهكذا يمكن للردع، إذا فشلت السياسة في إدارته، أن يصبح جزءاً من المشكلة التي يفترض أن يحلها.
فخ ثوسيديدس: هل الصين هي ألمانيا القرن الحادي والعشرين؟
هنا تظهر مقارنة أكثر إثارة للجدل. الباحث الأمريكي غراهام أليسون صاغ مفهوم “فخ ثوسيديدس” في كتابه “Destined for War”، مستعيداً مقولة المؤرخ الإغريقي عن الحرب بين أثينا وإسبرطة. الفكرة: عندما تصعد قوة جديدة بسرعة وتهدد مكانة قوة مهيمنة، يرتفع خطر الصدام.
أليسون درس 16 حالة تاريخية خلال خمسة قرون. 12 منها انتهت إلى الحرب. الرقم يبدو مرعباً، لكنه يحتاج قراءة دقيقة.
الحقيقة تكمن في أن أليسون نفسه يؤكد أن الحرب ليست حتمية. 4 من الحالات الـ16 لم تنته إلى صراع. أي أن “فخ ثوسيديدس” ليس قانوناً طبيعياً، بل تحذير سياسي.
لماذا لا تنطبق المقارنة حرفياً؟
- الترابط الاقتصادي: الصين والولايات المتحدة مرتبطتان بشبكات تجارية وتكنولوجية لم يكن لها نظير في العلاقة بين بريطانيا وألمانيا قبل 1914.
- السلاح النووي: تكلفة الحرب بين قوتين نوويتين مختلفة جذرياً عن أي حرب في التاريخ.
- المؤسسات: الأمم المتحدة ومجموعة العشرين وقنوات الاتصال العسكرية توفر آليات لإدارة الصراع لم تكن موجودة عام 1914.
لذلك، القيمة الحقيقية لفكرة أليسون ليست في التنبؤ بالحرب، بل في التنبيه إلى أن التحولات الكبرى في ميزان القوى تحتاج إلى إدارة سياسية استثنائية حتى لا تتحول المنافسة إلى مواجهة.
المؤشر الثاني: البؤر الثلاث التي تختبر العالم
إذا كانت المنافسة الأمريكية الصينية تمثل التحول البنيوي الأكبر، فإن الخطر المباشر يأتي من ثلاث بؤر يمكن أن تختبر قدرة القوى الكبرى على ضبط التصعيد.
أولاً: أوكرانيا — عودة الحرب التقليدية إلى أوروبا
الحرب الروسية الأوكرانية أعادت الحرب التقليدية واسعة النطاق إلى القارة الأوروبية. الخطر لا يتوقف عند حدود أوكرانيا، بل يتعلق بإمكانية أن يؤدي خطأ في الحساب أو حادث عسكري إلى احتكاك مباشر بين روسيا ودولة عضو في الناتو، بما قد يضع قوتين نوويتين في مواجهة يصعب التحكم في مسارها.
ثانياً: الشرق الأوسط — حين تصبح الحرب عالمية في آثارها
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقلت المواجهة من نطاق الردع والحروب بالوكالة إلى مستوى أكثر مباشرة. ولا تكمن خطورة مضيق هرمز في أهميته العسكرية فحسب، بل في موقعه داخل منظومة الطاقة والتجارة العالمية.
هنا تظهر إحدى سمات الحرب الكبرى في القرن الحادي والعشرين: قد تصبح عالمية في آثارها قبل أن تصبح عالمية في جبهاتها.
ثالثاً: تايوان — اختبار القوتين العظميين
أي أزمة عسكرية في تايوان لن تكون نزاعاً محلياً، بالنظر إلى موقع الجزيرة في الاقتصاد التكنولوجي العالمي، وإلى الالتزامات الأمنية المتعارضة في شرق آسيا. أي مواجهة حولها ستضع القوتين العظميين أمام اختبار مباشر لقدرتهما على إبقاء المنافسة دون عتبة الحرب.
جدول: البؤر الثلاث ومخاطر التصعيد
| البؤرة | الأطراف الرئيسية | نقطة الخطر | احتمال التصعيد العابر للحدود |
|---|---|---|---|
| أوكرانيا | روسيا، أوكرانيا، الناتو | احتكاك مباشر بين روسيا ودولة عضو في الناتو | مرتفع |
| الشرق الأوسط | إيران، إسرائيل، أمريكا، وكلاء | تعطيل مضيق هرمز وتحوله إلى أزمة طاقة عالمية | مرتفع |
| تايوان | الصين، تايوان، أمريكا | مواجهة مباشرة بين القوتين العظميين | متوسط إلى مرتفع |
المشكلة ليست في وجود ثلاث حروب منفصلة، بل في احتمال أن يؤدي التصعيد في إحداها إلى إعادة ترتيب التحالفات والحسابات في البؤر الأخرى. وهنا يعود درس 1914: الأزمة التي تشعل النظام ليست بالضرورة الأزمة التي صنعت تناقضاته.
المؤشر الثالث: أزمة المؤسسات قبل أزمة الحروب
هنا يكمن الجانب الأهم. المؤشر الأكثر إثارة للقلق ليس وجود حروب كثيرة، بل تراجع الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تمنع تحولها إلى حرب أكبر.
مجلس الأمن يُشل مراراً عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. مبادئ القانون الدولي أصبحت ساحة صراع سياسي: من يحدد المعتدي؟ متى يكون التدخل مشروعاً؟ ولماذا تُطبَّق بعض القواعد بحزم في أزمة، بينما تبدو انتقائية في أخرى؟
هذه الازدواجية لا تقتصر على بعدها الأخلاقي. عندما تفقد الدول الثقة في قدرة المؤسسات على حمايتها، تصبح أكثر اعتماداً على التسلح والتحالفات والقوة الذاتية. وعندما يحدث ذلك بصمت لدى عدة دول في وقت واحد، يدخل النظام الدولي في دائرة من انعدام الثقة يصعب الخروج منها.
ومن هنا قد تكون الأزمة التي يعيشها العالم اليوم أزمة نظام دولي قبل أن تكون مجرد مجموعة من الحروب. والحل، إن وُجد، لن يكون عسكرياً. سيكون سياسياً ومؤسسياً، وهو بالتحديد ما يفتقده العالم اليوم.
أسئلة شائعة حول حرب عالمية ثالثة
هل الحرب العالمية الثالثة قادمة؟
لا توجد إجابة قاطعة. القوى الكبرى لا تريد حرباً شاملة، لكن النظام الدولي أصبح أقل قدرة على منع الأزمات الإقليمية من الالتقاء. الخطر ليس في الحرب المتعمدة، بل في التصعيد الناتج عن فشل إدارة الأزمات.
ما هو فخ ثوسيديدس؟
مفهوم صاغه غراهام أليسون لوصف خطر الصدام بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة. استند إلى 16 حالة تاريخية، انتهت 12 منها إلى الحرب. لكنه يؤكد بنفسه أن الحرب ليست حتمية، وأن 4 حالات انتهت سلمياً.
ما هي البؤر الثلاث الأخطر اليوم؟
أوكرانيا (احتكاك محتمل بين روسيا والناتو)، والشرق الأوسط (احتمال تعطيل مضيق هرمز وتحوله إلى أزمة طاقة عالمية)، وتايوان (احتمال مواجهة مباشرة بين الصين والولايات المتحدة).
ما الذي يبقى بعد هذا التحليل؟
التاريخ لا يعيد نفسه. لكنه يضع أمامنا أنماطاً تستحق التأمل. حين يتزامن صعود قوى جديدة مع التراجع النسبي لقوى مهيمنة، وتتسارع سباقات التسلح، وتضعف المؤسسات متعددة الأطراف، وتتوسع الحروب الإقليمية، تصبح إدارة الأزمات أكثر صعوبة.
والمفارقة أن القوى الكبرى اليوم لا تريد، على الأرجح، حرب عالمية ثالثة. واشنطن لا تريد مواجهة مباشرة مع بكين أو موسكو. الصين لا تحتاج إلى حرب عالمية لتحقيق صعودها. روسيا تدرك المخاطر الوجودية لمواجهة شاملة مع الناتو.
لكن هذه الحقيقة لا تكفي للاطمئنان. في 1914، لم يكن العالم يفتقر إلى السياسيين والدبلوماسيين والجيوش. ما افتقر إليه، في اللحظة الحاسمة، كان القدرة على إيقاف سلسلة التصعيد. بعد أكثر من قرن، وفي عالم أشد تسلحاً وترابطاً وقدرة على التدمير، ربما يكون هذا هو الدرس الذي لا يمكن تجاهله.
والأهم من ذلك: السؤال ليس متى تبدأ حرب عالمية ثالثة. السؤال هو: هل لا تزال لدينا القدرة السياسية والمؤسسية لمنع الأزمات المتفرقة من التحول إلى حرب كبرى؟ فالخطر الحقيقي ليس أن تكون الحرب حتمية، بل أن تصبح ممكنة بينما يواصل الجميع التصرف على أساس أنها مستحيلة.
شارك هذا المقال مع من يتابع الشأن الدولي، واكتب في التعليقات: هل تعتقد أن العالم أقرب إلى 1914 أم إلى 1945؟ وهل المؤسسات الدولية قادرة على منع السيناريو الأسوأ، أم أن أزمة النظام الدولي أعمق من أن تُحل بإصلاحات؟
للمزيد من البيانات حول الإنفاق العسكري العالمي، يمكن الرجوع إلى التقرير السنوي لمعهد SIPRI.

