
إسـ،ـرائـ،ـيل الكبرى: ماذا قال السفير الأمريكي بالضبط؟
المقابلة، التي استمرت ساعتين ونصف الساعة وبُثت على قناة “The Tucker Carlson Show” في 20 فبراير 2026، لم تكن عن إسرائيل الكبرى فقط. تناولت غزة وجيفري إبستين وسفينة ليبرتي. لكن اللحظة الأكثر انفجاراً كانت حين قرأ كارلسون على هاكابي نصاً من سفر التكوين (الإصحاح 15)، وسأله: “هذه الأرض من النيل إلى الفرات. هل لإسرائيل حق فيها؟”. هاكابي، وهو قس معمداني سابق ومن أنصار الصهيونية المسيحية، لم يتردد: “أعتقد أن هذا صحيح”. ثم أضاف: “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”.
هذه الجملة لم تكن الوحيدة. حسب صحيفة “الغارديان”، أقرّ هاكابي بأن النص التوراتي يتحدث عن “أرض تمتد من وادي مصر إلى نهر الفرات”، وهي مساحة تشمل “أجزاء واسعة من دول الشرق الأوسط، من بينها الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى مناطق من السعودية والعراق” وحين ضغط عليه كارلسون أكثر، قال: “هم لا يطلبون أخذ كل ذلك، لكنهم على الأقل يطلبون أخذ الأرض التي يحتلونها الآن، ويعيشون فيها”.
التراجع الذي لم يقنع أحداً
بعد ساعات من انتشار التصريح، بدأ هاكابي في التراجع. وصف كلامه بأنه “مبالغة مجازية” (hyperbolic statement)، وقال إن إسرائيل “لا تريد الاستيلاء على الأردن أو سوريا أو العراق”، وإن حديثه كان عن “حماية شعبها” فقط لكن هذا التراجع لم يغير شيئاً في العواصم العربية.
لماذا؟ لأن التراجع لم ينفِ المبدأ، بل نفى التطبيق الفوري فقط. هاكابي لم يقل “لا، ليس لإسرائيل حق في هذه الأرض”. قال إنها “لا تطلبها الآن”. وهذا فرق جوهري. في قراءة سياسية دقيقة، التراجع لم يكن عن الفكرة، بل عن توقيتها.
حتى لو اعتبرنا التصريح “مبالغة”، فإن مجرد صدوره من سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل وليس من معلق أو ناشط — يمنحه وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله.
لماذا هذه المرة مختلفة؟ الفرق بين الخطاب والموقع
إسـ،ـرائـ،ـيل الكبرى ليست فكرة جديدة. هي مفهوم صهيوني ظهر في كتابات مفكرين صهاينة منذ بدايات القرن العشرين، وتتحدث عن حدود تمتد “من النيل إلى الفرات” استناداً إلى تفسيرات توراتية. لكن ما يجعل تصريح هاكابي مختلفاً ليس الفكرة، بل الموقع.
في السابق، كانت الفكرة تُطرح في أدبيات حزبية أو خطب دينية. أما اليوم، فهي تُطرح من منصة دبلوماسية رسمية، ومن سفير يمثل أكبر قوة عظمى في العالم. وهذا يخلق سابقة خطيرة: إذا كان السفير الأمريكي يرى أن “من الجيد” أن تأخذ إسرائيل كل هذه الأرض، فما الذي يمنع أن يتحول هذا الرأي إلى سياسة؟
الخبراء يشيرون إلى أن هاكابي ليس صوتاً فردياً. هو جزء من تيار “الصهيونية المسيحية” داخل الحزب الجمهوري، الذي يضم شخصيات نافذة مثل ماركو روبيو وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. هذا التيار لا يرى في إسرائيل مجرد حليف استراتيجي، بل جزءاً من مخطط إلهي. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن “حق توراتي” ليس مجرد كلام، بل هو أساس لسياسات قابلة للتنفيذ.
جدول: الدول التي تشملها خريطة “إسرائيل الكبرى” المزعومة
| الدولة / المنطقة | الجزء المشمول وفق التفسير التوراتي | الوضع الراهن |
|---|---|---|
| فلسطين (الضفة الغربية وغزة) | كامل الأرض | تحت الاحتلال الإسرائيلي |
| الأردن | أجزاء واسعة من المملكة | دولة ذات سيادة ومعاهدة سلام مع إسرائيل |
| سوريا | جنوب سوريا وحتى نهر الفرات | دولة في حالة صراع، وتوجد مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية |
| لبنان | جنوب لبنان | دولة ذات سيادة، وتتعرض لعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة |
| العراق | مناطق غرب العراق حتى الفرات | دولة ذات سيادة |
| مصر | شبه جزيرة سيناء حتى نهر النيل | دولة ذات سيادة ومعاهدة سلام مع إسرائيل |
| السعودية | أجزاء من شمال غرب المملكة | دولة ذات سيادة، وتجري مفاوضات تطبيع مع إسرائيل |
الغضب العربي: إدانات قوية… وصمت مريب
ردود الفعل العربية جاءت سريعة في البيانات، لكنها متفاوتة في اللهجة. السعودية اعتبرت التصريحات “غير مسؤولة” و”سابقة خطيرة”. الأردن رأى فيها “مساساً بسيادة دول المنطقة”. مصر أكدت أن “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية” كما أدانت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التصريحات، ووصفتها بأنها “استفزازية” و”خطيرة”.
بعض التحليلات تشير إلى أن ردود الفعل العربية، رغم قوتها اللفظية، جاءت “سلبية” في الإجراءات. لا مؤتمرات قمة طارئة، ولا سحب سفراء، ولا مراجعة لاتفاقيات التطبيع. والسبب واضح: الدول العربية التي أدانت التصريحات هي نفسها التي تربطها بالولايات المتحدة وإسرائيل مصالح استراتيجية واقتصادية لا تريد المساس بها. الإدانة، في هذا السياق، وسيلة للحفاظ على الشرعية الشعبية دون دفع تكلفة سياسية حقيقية.
هل التصريح يعكس سياسة ترامب أم رأياً شخصياً؟
هذا هو السؤال الأهم. البيت الأبيض لم يتبنَّ التصريح رسمياً، لكنه لم ينفه أيضاً. وزارة الخارجية الأمريكية لم ترد فوراً على طلبات التعليق. وبحسب تقارير، سارع مسؤولون كبار في إدارة ترامب إلى محاولة تهدئة الغضب العربي، مؤكدين أن التصريحات “أُخرجت من سياقها”.
لكن حتى لو كانت التصريحات “شخصية”، فإن السفير لا يتحدث بصفته الشخصية عندما يكون في منصبه. خاصة عندما يكون السفير لدى إسرائيل، وعندما يكون الحديث عن حدود إسرائيل. الصمت الرسمي الأمريكي، في هذه الحالة، ليس حياداً. هو رسالة.
والحقيقة التي تكمن خلف كل هذا: تصريح هاكابي لم يغير سياسة أمريكية قائمة، لكنه كشف عنها. كشف أن فكرة إسرائيل الكبرى ليست هامشية في واشنطن، بل لها أنصار في أعلى مستويات السلطة.
أسئلة شائعة حول إسرائيل الكبرى
ما هي “إسـ،ـرائـ،ـيل الكبرى”؟
هو مفهوم صهيوني يشير إلى حدود جغرافية تمتد “من النيل إلى الفرات”، استناداً إلى تفسيرات توراتية لنصوص في سفر التكوين. يشمل هذا المفهوم، وفق التفسيرات الأوسع، أجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية وفلسطين. وهو مفهوم يرفضه العرب والفلسطينيون، ولا تعترف به الشرعية الدولية.
ماذا قال مايك هاكابي بالضبط عن إسرائيل الكبرى؟
خلال مقابلة مع تاكر كارلسون في 20 فبراير 2026، سُئل هاكابي عما إذا كان لإسرائيل حق في الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات وفق سفر التكوين، فأجاب: “أعتقد أن هذا صحيح… سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”. ثم حاول التراجع لاحقاً واصفاً كلامه بأنه “مبالغة مجازية”.
كيف ردت الدول العربية على تصريحات هاكابي؟
أدانت السعودية والأردن ومصر وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التصريحات. وصفتها السعودية بـ”غير المسؤولة” و”السابقة الخطيرة”، ورأى فيها الأردن “مساساً بسيادة دول المنطقة”، وأكدت مصر أن “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية”. لكن الردود اقتصرت على الإدانة اللفظية دون إجراءات تصعيدية ملموسة.
بين قس معمداني يجلس على كرسي دبلوماسي، وخريطة توراتية تتجاوز حدود أي دولة معترف بها، وبيانات عربية تُدان ولا تُغيّر شيئاً، يكشف تصريح هاكابي عن حقيقة مرة: إسرائيل الكبرى ليست مجرد أسطورة يرددها متطرفون. هي فكرة لها أنصار، ومن مواقع المسؤولية، ومن داخل الدوائر التي تصنع القرار. والسؤال الذي يبقى: إذا كان السفير الأمريكي يرى أن “من الجيد” أن تأخذ إسرائيل كل هذه الأرض، فماذا يمنع أن يتحول هذا الرأي إلى سياسة غداً.

