
عبدالرحمن السيد: من هو الرجل الذي دخل التاريخ؟
وُلد عبدالرحمن السيد في ميشيغان لأبوين مهاجرين من مدينة الإسكندرية. والده غادر مصر عام 1978، جزئياً بسبب القمع السياسي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. درس الطب، وعمل طبيباً، ثم دخل السياسة عبر الحزب الديمقراطي.
في الرابع من نوفمبر 2026، هزم الجمهوري مايك روجرز في سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم ينتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي في التاريخ. اللافت أن فوزه جاء رغم أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) أنفقت ما لا يقل عن 30 مليون دولار لمحاولة إسقاطه، بحسب ما أوردته صحيفة “نيو عرب”.
لكن ما يجعله حالة استثنائية ليس الدين ولا الأصل، بل الخطاب. السيد لم يخفف من مواقفه ليرضي أحداً. في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، قال صراحة إنه يعارض “المساعدات العسكرية غير المشروطة لأي دولة، بما في ذلك إسرائيل، ومصر التي هاجرت منها عائلتي، وباكستان، والسعودية، والإمارات”.
ماذا قال عن مصر تحديداً؟
هنا تكمن النقطة الحساسة. السيد لم يكتفِ بانتقاد المساعدات الأمريكية لمصر. في مقابلة انتخابية هذا العام، وصف مصر بأنها تعيش تحت “ديكتاتورية عسكرية ممولة بأموال دافعي الضرائب هنا”. كما قال إنه لولا “حادث التاريخ” الذي جعل والديه يهاجران إلى ديترويت، لكان “سائق تاكسي في مصر مثل أبناء عمومته”.
هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام. في مصر، حيث يُنظر إلى الهجرة إلى الخارج كقصة نجاح، كان الحديث عن “سائق تاكسي” بمثابة إهانة للبلد الذي غادرته عائلته. لكن الأهم من العبارة نفسها هو السياق: السيد كان يتحدث عن الفوارق الاقتصادية والفرص المهدرة، لا عن احتقار مهنة القيادة. ومع ذلك، في الإعلام المصري، أُخذت العبارة على أنها انتقاص.
لماذا انقسمت ردود الفعل المصرية إلى نصفين؟
ردود الفعل المصرية على فوز عبدالرحمن السيد كانت أشبه بمرآة مشروخة: كل طرف رأى فيها ما يريد رؤيته.
النصف الأول: من صفّق
شخصيات عامة وإعلامية بارزة احتفلت بالفوز. المذيع عمرو أديب كتب على منصة “إكس”: “قل ما شئت عن أمريكا، لكن عليك أن ترفع القبعة لنظام سياسي يسمح لعبدالرحمن محمد السيد بأن يصبح سيناتوراً أمريكياً”. وأضاف مازحاً: “كان هناك حتى زغاريد مصرية خلال خطاب النصر”.
الإعلامية ياسمين الخطيب كتبت أن فوزه “يؤكد أن أمريكا، بكل عيوبها، بلد عظيم، حيث يمكن لإرادة الناس أن تنتصر رغم الاختلافات الدينية والعرقية، وحتى ضد رغبة الرئيس نفسه”. وشارك علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق، مقطعاً من خطاب النصر الذي خاطب فيه السيد نائب الرئيس جيه دي فانس بكلمة “حبيبي”.
لماذا هذا الاحتفاء؟ لأن السيد، بالنسبة لهذا الفريق، يمثل انتصاراً رمزياً: ابن مصر الذي وصل إلى أعلى مستويات السلطة في أمريكا، ووقف في وجه اللوبي الإسرائيلي، ورفع صوته ضد الحرب على غزة. هذا مزيج نادر يجعل منه بطلاً شعبياً بغض النظر عن موقفه من القاهرة.
النصف الثاني: من غضب
في المقابل، لم يجد السيد مكاناً في الصفحات الرئيسية لبعض المواقع الإخبارية المصرية البارزة. وكالة “رويترز” لاحظت أن الإعلام الرسمي، المعروف بتغطيته الحافلة لإنجازات americans من أصول مصرية مثل الممثل رامي مالك، “منح القليل من الاهتمام لسياسي كان ينتقد حكومة القاهرة”.
المعلق الموالي للحكومة، لؤي الخطيب، كتب على فيسبوك: “سيكون من الحماقة الشديدة بناء أي توقعات على أساس أنه مصري”. وأضاف: “ولا سيكون من الحكمة اعتبار فوزه إنجازاً مصرياً أو عربياً بأي شكل”.
الكاتب المصري عبد الجواد أبو كب ذهب أبعد: “المصري القادم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي لا تفرحوا به، فتاريخه لا يبشر، وحاضره يؤكد تاريخه، وسيكون ضد مصر وليس معها”.
جدول: خريطة ردود الفعل المصرية
| الفريق | الموقف | الحجة الأساسية |
|---|---|---|
| المؤيدون (إعلاميون وشخصيات عامة) | احتفاء وتهنئة | انتصار رمزي لابن مصر، وموقف معادٍ لإسرائيل واللوبي الموالي لها |
| المعارضون (معلقون موالون للحكومة) | تشكيك وتجاهل | انتقاداته للجيش المصري ووصفه البلاد بالديكتاتورية تجعله غير جدير بالاحتفاء |
| الإعلام الرسمي | تجاهل شبه تام | تجنب منح منصة لسياسي ينتقد القاهرة |
| الشارع المصري (على وسائل التواصل) | انقسام حاد | بين الإعجاب بموقفه من غزة، والغضب من تصريحاته عن مصر |
المفارقة الكبرى: من ينتقد إسرائيل لا يُشترط أن يحب مصر
هنا يكمن الجانب الأهم. ردود الفعل المصرية كشفت عن معادلة غير مكتوبة: من ينتقد إسرائيل يحظى بتعاطف تلقائي، لكن هذا التعاطف ليس بطاقة عبور دائمة. بمجرد أن ينتقد السيد الجيش المصري، يسقط من قائمة “الأبطال” ويصبح “عدواً”.
الحقيقة تكمن في أن هذا الانقسام ليس عن السيد شخصياً. إنه عن مصر نفسها. فالسيد يضع إصبعه على جرح قديم: العلاقة بين الجيش والسلطة والمساعدات الأمريكية. بالنسبة لبعض المصريين، أي انتقاد للجيش هو خط أحمر، بغض النظر عن مصدره. وبالنسبة لآخرين، من حق أي شخص، حتى لو كان أمريكياً، أن يقول ما يراه صحيحاً.
والأهم من ذلك: السيد لا يرى تناقضاً في موقفه. هو يعارض المساعدات العسكرية غير المشروطة لكل دولة، بما فيها إسرائيل ومصر. بالنسبة له، هذا ليس انتقاصاً لمصر، بل تطبيق لمبدأ واحد على الجميع. لكن في مصر، حيث يُنظر إلى العلاقة مع واشنطن كمسألة أمن قومي، فإن أي حديث عن خفض المساعدات يُفسر كتهديد.
ماذا يعني فوز السيد لواشنطن والقاهرة؟
على المدى القصير، فوز السيد لا يغير سياسة أمريكا تجاه مصر. هو سيناتور واحد من 100، ولا يملك سلطة فردية لخفض المساعدات. لكنه يملك شيئاً آخر: منصة. ومن خلالها، يمكنه أن يفتح نقاشاً كان مغلقاً لعقود: هل يجب أن تكون المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر مشروطة باحترام حقوق الإنسان؟
مصر تحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من التمويل العسكري الأمريكي، منذ توقيع اتفاقية السلام. وفي أكتوبر 2026، تنازلت إدارة ترامب عن شروط حقوق الإنسان المرتبطة بمساعدات بقيمة 320 مليون دولار، بحسب “نيو عرب”. أي أن إدارة ترامب اختارت التخفيف، بينما السيد يطالب بالتشديد. هذا ليس خلافاً صغيراً. إنه خلاف حول فلسفة العلاقة بأكملها.
أما على المدى الطويل، فالسيد قد يصبح صوتاً مؤثراً في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً إذا تحالف مع أعضاء آخرين في الجناح التقدمي، مثل رشيدة طليب وآدم حموي. الثلاثة، وهم من أصول عربية، باتوا يشكلون كتلة صغيرة لكنها مسموعة في الكونغرس. وإذا نجحوا في تحويل النقاش حول المساعدات إلى قضية تصويت، فإن مصر قد تجد نفسها مضطرة للتعامل معهم، لا تجاهلهم.
أسئلة شائعة حول عبدالرحمن السيد
من هو عبدالرحمن السيد؟
هو سياسي أمريكي من الحزب الديمقراطي، وُلد في ميشيغان لأبوين مهاجرين من الإسكندرية. فاز في نوفمبر 2026 بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم ينتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة.
لماذا أثار فوزه جدلاً في مصر؟
لأنه انتقد المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، ووصف البلاد بأنها “ديكتاتورية عسكرية”، وقال إنه لولا هجرة والده لكان سائق تاكسي. هذه التصريحات أثارت غضب بعض المعلقين المصريين، بينما احتفى آخرون بموقفه المعادي لإسرائيل واللوبي الموالي لها.
هل فوزه سيؤثر على المساعدات الأمريكية لمصر؟
على المدى القصير، لا. فهو سيناتور واحد ولا يملك سلطة فردية لخفض المساعدات. لكنه قد يفتح نقاشاً في الكونغرس حول ربط المساعدات باحترام حقوق الإنسان، وهو ما قد يضع ضغطاً متزايداً على القاهرة على المدى الطويل.
ما الذي يبقى بعد هذا الفوز؟
في النهاية، عبدالرحمن السيد ليس مجرد سيناتور جديد. هو اختبار. اختبار لقدرة المصريين على الاحتفاء بنجاح ابنهم دون شروط مسبقة، واختبار لقدرة واشنطن على احترام صوت مختلف داخل مؤسساتها، واختبار للعلاقة بين مصر وأمريكا نفسها.
الحقيقة تكمن في أن الانقسام حول السيد لن ينتهي بمجرد أن يؤدي اليمين الدستورية في يناير. سيستمر كلما تحدث عن مصر، وكلما صوّت على مشروع قانون يتعلق بالمساعدات، وكلما زار المنطقة. ومن سيتابعه بعين ناقدة سيجد أنه لا يقدم وعوداً سهلة. يقدم موقفاً. والمواقف، في السياسة، أثمن من الوعود، لكنها أيضاً أكثر إثارة للجدل.
والأهم من ذلك: إذا وصلت إلى هنا، فأنت تعرف ما لا يعرفه من اكتفى بعنوان الخبر. فوز السيد ليس قصة “مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ”. إنه قصة رجل قرر أن يقول ما يعتقده، ودفع الثمن في وطن لم يزره منذ سنوات. والسؤال ليس هل يحبه المصريون، بل هل يمكنهم تجاهله بعد اليوم.
شارك هذا المقال مع من يتابع الشأن المصري والأمريكي، واكتب في التعليقات: هل تعتقد أن انتقاد السيد للجيش المصري يلغي حقه في الاحتفاء به كابن مصر، أم أن موقفه من إسرائيل وغزة يكفي لاعتباره صوتاً يستحق الاحترام؟
للمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى تقرير رويترز حول ردود الفعل المصرية على فوز عبدالرحمن السيد.

