منوعات عامة

الخطر الذي نمارسه يومياً دون انتباه: الجلوس وقلة الحركة

في صخب الحياة المعاصرة وضغوطها، تتراجع الرياضة غالباً إلى آخر قائمة أولوياتنا. نعتقد أن الأمر مجرد تفويت لفرصة تحسين المظهر الخارجي أو حرق سعرات حرارية إضافية. لكن الحقيقة أكثر عمقاً وخطورة؛ فالجسم الذي لا يتحرك بانتظام يبدأ رحلة خفية من التغييرات الداخلية التي تشبه تآكلاً بطيئاً يؤثر على كل عضو ووظيفة.

عندما تهمل الحركة، لا يتحول الخمول إلى مجرد حالة من الكسل، بل إلى محفز لسلسلة من التفاعلات البيولوجية. تبدأ العضلات، تلك المحركات القوية، بفقدان كتلتها وقوتها تدريجياً. هذه ليست مجرد مسألة شكلية، بل هي فقدان للدعامة الأساسية التي تحمي المفاصل وتحافظ على استقرار الجسم وتنظم استهلاك الطاقة. مع الوقت، يصبح أداء أبسط المهام، كصعود الدرج أو حمل حقيبة، تحدياً متزايداً.

الأمر لا يقف عند العضلات، فالعظام أيضاً تشارك في هذه الرحلة الهبوطية. النشاط البدني هو إشارة مستمرة للهيكل العظمي بأنه مطلوب منه البقاء قوياً. بدون هذه الإشارة، تقل كثافة المعادن في العظام، مما يجعلها أكثر هشاشة وأقل قدرة على تحمل الصدمات. هذه العملية الصامتة هي ما يفسر ارتفاع معدلات الكسور لدى الأشخاص قليلي الحركة مع تقدمهم في السن.

في نظام القلب والأوعية الدموية، تكمن أحد أكبر المخاطر. القلب، مثل أي عضلة أخرى، يضعف عندما لا يُدرب. ينخفض حجم الضربة القلبية، مما يعني أن القلب يجب أن يعمل بجهد أكبر وجزعات أكثر لضخ نفس الكمية من الدم. هذا يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في ضغط الدم وزيادة في معدل ضربات القلب حتى أثناء الراحة. الدم نفسه يصبح أكثر لزوجة، والدورة الدموية تتباطأ، مما يخلق بيئة خصبة لتكون الجلطات وترسب الكوليسترول على جدران الشرايين.

الجهاز التنفسي أيضاً يدفع الثمن. تقل سعة الرئتين وكفاءتهما في استخلاص الأكسجين، مما يعني حصول الخلايا على وقود أقل لأداء وظائفها. هذا النقص في الأكسجين يترجم إلى شعور دائم بالإرهاق وانخفاض في طاقة الجسم الكلية، حتى دون بذل مجهود يذكر.

على الجانب الأيضي، يتحول الجسم إلى آلة أقل كفاءة في حرق الطاقة. تنخفض حساسية الخلايا للإنسولين، مما يزيد من خطر مقاومة الإنسولين ومرض السكري من النوع الثاني. يتباطأ التمثيل الغذائي، ويميل الجسم إلى تخزين الدهون، خاصة في المنطقة الحشوية الخطيرة المحيطة بالأعضاء الداخلية.

الدماغ لا يكون بمنأى عن هذه التأثيرات. تتباطأ الدورة الدموية الدماغية، مما قد يؤثر على الوظائف المعرفية والذاكرة. تنخفض مستويات النواقل العصبية المرتبطة بالسعادة والتركيز، مثل الدوبامين والسيروتونين، بينما ترتفع هرمونات التوتر مثل الكورتيزول. هذه التغيرات الكيميائية تفسر الارتباط الوثيق بين الخمول وزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق وضبابية التفكير.

حتى جهاز المناعة يصبح أقل فعالية. تتباطأ حركة الخلايا المناعية في الجسم، مما يقلل من سرعة وكفاءة الاستجابة للعدوى. أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً معتدلاً بانتظام لديهم استجابة مناعية أفضل للتطعيمات، ومعدلات أقل من التهابات الجهاز التنفسي العلوي، وتعاف أسرع من الأمراض.

على المدى الطويل، تخلق هذه التغيرات المجتمعة أرضية خصبة للأمراض المزمنة. يرتفع خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية والسكري من النوع الثاني وأنواع معينة من السرطان، مثل سرطان القولون والثدي. تتحول الشيخوخة من عملية طبيعية إلى مسار متسارع من التراجع الوظيفي.

الخبر الجيد أن هذه الرحلة قابلة للعكس في معظم مراحلها. لا تحتاج إلى تحول جذري أو ساعات طويلة في الصالة الرياضية. فكرة المشي السريع لمدة 30 دقيقة معظم أيام الأسبوع، أو دمج الحركة في الروتين اليومي عن طريق صعود السلالم والمشي خلال فترات الراحة، يمكن أن تعيد تشغيل هذه الآليات الحيوية. تبدأ العضلات في البناء، والعظام في التقوية، والقلب في التحسن، والمزاج في الاختلاف بعد أسابيع قليلة فقط من الانتظام.

الجسم مصمم للحركة. كل خطوة تخطوها، وكل حركة تؤديها، هي إشارة حيوية لأعضائك بأن تعمل، وأن تبقى، وأن تزدهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى