ثلاثة لايرد الله دعائهم أبداً بل يستجيبه ولو بعد حين !!

في رحلتنا عبر تقلبات الحياة، يبقى الدعاء هو السلاح الأقوى للمؤمن، وهو الصلة المباشرة بين العبد وربه. لكن أحياناً، قد يتسلل إلى قلوبنا شكٌ خفيٌ: هل يسمع الله دعائي؟ لماذا لا أرى الإجابة؟
في وسط هذه التساؤلات، تظهر بشرى عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تملأ القلب طمأنينة والأمل. فقد وعدنا النبي عليه الصلاة والسلام بأن هناك فئات من الناس يكون دعاؤهم مستجاباً لا محالة، حتى ولو تأخر وقت الإجابة.
فمن هم هؤلاء الذين يفتح الله لهم أبواب السماء، ويقول لملائكته: “اشهدوا أني قد استجبت لهم ولو بعد حين”؟
الداعي حتى يمل.. لا يعرف اليأس إليه سبيلاً
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل”. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: “يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَع الدعاء”. (رواه مسلم).
هذا الحديث هو المفتاح الأول لفهم موضوعنا. فالله تعالى يحب العبد الذي يلحّ عليه، ولا يمل من الطلب. الإجابة قد تتأخر لحكمة يعلمها الله: ربما ليكتب لك أجر الصبر واللجوء إليه، أو ليدخر لك ما هو خير مما طلبت، أو ليصرف عنك شراً لم تكن تعلمه.
المصدر:
· صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
الثلاثة الذين لا يرد دعاؤهم.. من هم؟
بعد أن فهمنا شرط المداومة وعدم الاستعجال، نأتي إلى الحديث الشريف الذي يحدد ثلاث فئات يكون دعاؤهم مستجاباً بشكل خاص. عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم”. (رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني).
لنتأمل معاً في سر اختيار هذه الفئات الثلاث:
1. الإمام العادل:
· من هو؟ هو كل من وُلّي أمراً من أمور المسلمين، كبيراً كان أم صغيراً. فهو الحاكم، والمدير، والأب في أسرته، والمعلم في فصله. العدل هو أن تضع الأمور في مواضعها، وأن تعطي كل ذي حق حقه.
· لماذا دعاؤه مستجاب؟ لأن الله تعالى يقف مع العادل ويؤيده. إذا صلح الراعي، صلحت الرعية. فدعاؤه ليس لنفسه فقط، بل لرعيته أيضاً. عندما يدعو الإمام العادل بتثبيت ومساعدة، فإنه يدعو لمن وراءه من الناس، فيستجيب الله له تحقيقاً لمصلحة الجميع.
2. الصائم حتى يفطر:
· لماذا هذه اللحظة بالذات؟ في لحظة الإفطار، يكون العبد في أضعف حالاته الجسدية، ولكنه في أطهر حالاته القلبية. لقد امتنع عن الطعام والشراب والشهوات طاعة لله، وهو الآن على موعد مع رحمة ربه. في هذه اللحظة، تتجرد النفس من الكبرياء، ويشعر الإنسان بحاجته الفقرية إلى الله، فيكون قلبه خاشعاً خاضعاً.
· نصيحة عملية: احرص في لحظة إفطارك أن ترفع كفيك إلى الله، وتدعوه بما تشاء من خيري الدنيا والآخرة، لعلك تدرك تلك الإجابة الموعودة.
3. المظلوم:
· لماذا دعاؤه أقوى الأسلحة؟ لأن المظلوم ليس له سوى الله. وقد أقسم الله على نفسه فقال: “وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”. دعوة المظلوم لا تحجب عن السماء، بل تتصاعد ويقول الله لها: “وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين”.
· تحذير عظيم: هذا يذكرنا بعدم الظلم، فلو كان المظلوم كافراً ودعا عليك، فإن الله يستجيب له. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب”. (رواه أحمد).
المصدر:
· سنن الترمذي: أبواب الدعوات.
· سنن ابن ماجه: كتاب الصيام.
لماذا قد تتأخر الإجابة؟ حكم إلهية لا ندركها
حتى مع كونك من هذه الفئات، قد تتأخر الإجابة. هذا ليس رداً، بل هو اختبار للصبر وتمحيص للنية. قد يكون في التأخير خير عظيم، مثل:
· تكفير للسيئات: ليمحو الله عنك ذنوباً لو بقيت لهلكت بها.
· رفعة في الدرجات: ليزيد أجرك كلما ازددت تضرعاً وابتهالاً.
· تعويض بأفضل مما طلبت: فربما طلبت شيئاً وفيه ضرر لك، فيصرف الله عنك الشر ويعوضك بما هو أنفع.
· تمهيد لأمر عظيم: فقد يكون ما تطلبه كبيراً، والله يهيئ الأسباب له على مهل.
كيف تجعل دعاءك أقرب إلى الإجابة؟
بالإضافة إلى أن تكون من الفئات المذكورة، هناك آداب وأوقات تساعد في استجابة الدعاء:
1. حسن الظن بالله: قال صلى الله عليه وسلم: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”. (رواه الترمذي).
2. التوبة ورد المظالم: تطهير القلب والجوارح من الذنوب.
3. استقبال القبلة ورفع اليدين.
4. الدعاء في الأوقات المستجابة: مثل الثلث الأخير من الليل، بين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر.
5. بدء الدعاء بحمد الله والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
المصدر:
· كتيب “الدعاء” للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
الخاتمة: كن من المستجاب لهم
الأمر ليس صعباً. اجعل نفسك من هؤلاء الثلاثة: كن عادلاً في كل شؤونك، حريصاً على صيام النوافل وإفطارك مع الدعاء، وحريصاً على عدم ظلم أحد. وأكثر من الدعاء في كل حال، مع اليقين بأن الله سيستجيب لك في الوقت والمكان والطريقة التي يعلم أنها الخير لك.
تذكر دائماً: “وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” [يوسف: 87]. فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يخيب من قصده.
تنويه: هذه المقالة من مصادر موثوثة لأغراض التوعية الدينية فقط. للاستفسارات الشرعية التفصيلية، يرجى الرجوع إلى علماء الدين الموثوقين.




