منوعات عامة

“تحذير عاجل من علماء الأعصاب”… هذه العادة اليومية قبل النوم تقتل الذاكرة وتؤدي لفقدان العقل… أوقفها فوراً وأنقذ مستقبلك!!

في صمت الليل، بينما تستسلم المدينة للنوم، يقوم ملايين الأشخاص ربما تكون أنت أحدهم  بطقس يومي يعتقدونه بريئاً أو حتى مسلياً، غير دارين أنهم، وبأيديهم، يحفرون قبراً لذكراهم ويضعون الأساس لضمور عقولهم. إنها ليست عادة شرب الكحول أو تعاطي المخدرات، بل هي أبسط من ذلك وأكثر شيوعاً، لدرجة أنها تمر مرور الكرام تحت ستار “الترفيه” أو “الاسترخاء” أو “الاطمئنان على العالم” قبل النوم. إنها تلك الدقائق التي تقضيها وأنت مستلقٍ على وسادتك، في الظلام، تحدق في شاشة هاتفك الذكي أو جهازك اللوحي، تتجول بين منصات التواصل الاجتماعي، أو تشاهد مقاطع الفيديو، أو تلعب لعبة إلكترونية خفيفة.

هذا الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة، في هذا التوقيت الحساس، ليس مجرد ضوء عابر. إنه، بحسب أحدث الأبحاث في أعرق جامعات العالم مثل هارفارد وأكسفورد، قاتل صامت لخلايا دماغك، وسارق أحلامك، ومحطم مستقبلك الإدراكي. العلماء لم يعودوا يتحدثون عن مجرد “أرق” أو “إزعاج”، بل عن عملية تدمير منهجية لمنظومة الذاكرة والتعلم في الدماغ.

كيف يحدث ذلك؟ عندما تتعرض عيناك للضوء الأزرق قصير الموجة المنبعث من الشاشات في وقت متأخر من الليل، تتلقى منطقة في دماغك تسمى “النواة فوق التصالبة” رسالة خاطئة وكاذبة. هذه النواة هي بمثابة المايسترو الذي يقود سيمفونية إيقاعك اليومي، فهي تتحكم في إفراز هرمونات حيوية على رأسها هرمون “الميلاتونين”، هرمون النوم. الضوء الأزرق يخدع هذه النواة ويقنعها بأن الوقت ما زال نهاراً، فيقمع إفراز الميلاتونين بقوة. النتيجة ليست فقط صعوبة في النوم، بل هي اضطراب عميق في النظام البيولوجي بأكمله.

ولكن الخطر الحقيقي يكمن فيما يحدث بعد ذلك، أو بالأحرى فيما لا يحدث. خلال النوم العميق، وخصوصاً في مرحلة “نوم حركة العين غير السريعة” أو “النوم البطيء الموجة”، ينشط دماغك في عملية عظيمة تشبه العمل الليلي لطاقم الصيانة في مدينة كبرى. هذه هي فترة “توحيد الذاكرة”. في هذه المرحلة، ينتقل ما تعلمته واختبرته خلال اليوم من منطقة مؤقتة في الدماغ تسمى “الحصين” – وهي تشبه مسودة أولية – إلى مناطق التخزين الدائم في القشرة الدماغية، لتصبح ذكريات راسخة ومهارات مكتسبة. كما يقوم الدماغ بعملية تنظيف شاملة عبر ما يسمى “النظام الجليمفاوي”، حيث يتم التخلص من السموم والبروتينات الضارة التي تراكمت خلال النهار، مثل بروتين “بيتا أميلويد” المرتبط بمرض ألزهايمر.

عندما تحرم دماغك من الدخول في هذه المرحلة العميقة بسبب قمع الميلاتونين وتشتيت ضوء الشاشة، فإنك تحرمه من أداء هذه المهام الحيوية. الذكريات الجديدة تتبخر ولا تنتقل للتخزين الدائم، مما يفسر شعورك بالنسيان و”الضبابية” الذهنية في اليوم التالي. والسموم تتراكم في أنسجة دماغك كالقمامة التي لم تجرِ إزالتها، مما يخلق بيئة التهابية سامة تبدأ بقتل الخلايا العصبية والتواصل بينها على المدى الطويل.

الدكتور “ماثيو ووكر”، أستاذ علم الأعصاب وعلم النفس في جامعة كاليفورنيا بيركلي ومؤلف الكتاب الشهير “لماذا ننام”، يصف النوم بأنه “أقوى شيء يمكننا القيام به كل ليلة لإعادة ضبط صحة دماغنا ووظائفه”. ويحذر قائلاً: “إن تقليص النوم، وخاصة تعطيل نوم الموجة البطيئة، هو وصفة أكيدة للتدهور المعرفي المبكر. إنه يسرق منك سنوات من صحة عقلك السليم.”

والأمر لا يتوقف عند الذاكرة. الدراسات الطولية التي تتابع آلاف الأشخاص لسنوات بدأت تربط بشكل قوي بين عادة استخدام الشاشات ليلاً وزيادة مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق المزمن. فالاضطراب في الساعة البيولوجية يخل بتوازن الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، التي تنظم المزاج والدافع والتركيز. كما أن المحتوى المشحون عاطفياً الذي نتناوله قبل النوم – سواء كان أخباراً مقلقة أو مشاجرات على وسائل التواصل أو حتى أفلاماً مثيرة – يترك الجهاز الحوفي (مركز العواطف في الدماغ) في حالة تأهب وضغط، مما يرفع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو هرمون الإجهاد الذي يضعف بدوره الوظائف المعرفية ويقلص حجم الحصين مع مرور الوقت.

إذن، ما الحل؟ كيف تقطع هذه العادة المدمرة وتنقذ عقلك؟

الخطوة الأولى هي الوعي بالخطر الحقيقي. أنت لا “تسهر” للترفيه، أنت تُعطل أهم عملية تجديد حيوية في جسدك وعقلك.

الخطوة العملية: فرض حظر تجول رقمي. حدد ساعة ثابتة قبل موعد نومك المثالي بساعة إلى ساعتين، تكون هي لحظة فصل كل الأجهزة الإلكترونية ذات الشاشات المضيئة. ضعها في غرفة أخرى، أو على الأقل بعيداً عن متناول يدك.

الخطوة البديلة: استبدل الضوء الأزرق بضوء دافئ. إذا كنت تحتاج إلى القراءة قبل النوم، استخدم كتاباً ورقياً بإضاءة جانبية دافئة (لون أصفر أو أحمر)، أو استخدم جهاز قارئ إلكتروني بحبر إلكتروني بدون إضاءة خلفية، أو شغّل وضع “الضوء الليلي” أو “الوضع الدافئ” على هاتفك في وقت مبكر جداً، مع العلم أن هذا الحل جزئي ولا يغني عن الفصل التام.

الخطوة التأسيسية: اصنع طقساً للنوم يعتمد على الحواس الأخرى غير البصر. استمع إلى سورة من القرآن الكريم بتدبر، أو إلى صوت طبيعي هادئ، أو إلى موسيقى كلاسيكية بطيئة. مارس تمارين التنفس العميق أو التأمل البسيط لتهدئة العقل. اكتب في دفتر يومياتك بضع سطور لتفرغ أفكارك على الورق بدلاً من تركها تدور في رأسك.

الخطوة الأهم: أنقذ نومك العميق. اجعل غرفتك مظلمة تماماً وهادئة وباردة قليلاً. هذه الظروف المثالية تتيح لدماغك الدخول في مراحل النوم العميق والاستفادة القصوى من عمليات الترميم والتوحيد.

تذكر، دماغك هو رأس مالك الحقيقي، وهو البوابة إلى كل ذكرياتك، علاقاتك، إنجازاتك، وإلى وعيك بذاتك والعالم من حولك. لا تسمح لعادة بسيطة لكن قاتلة أن تسرق منك هذا الكنز. القرار بيدك، والبدء يجب أن يكون الليلة. أوقف الشاشة، وأطفئ النور، وأغمض عينيك، واترك لدماغك الفرصة ليصنع لك ذكريات تدوم، ويحمي عقلك ليعيش حياة أطول وأكثر وضوحاً. المستقبل يبدأ بنوم ليلة هانئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى