“بداية النهاية للأورام الخطيرة”… عشبة طبيعية متوفرة تثير اهتمام الباحثين بدورها في إضعاف الخلايا السرطانية… ومنع تمددها بإذن الله!!

في معامل الأبحاث حول العالم يحدث صراع خفي غير مرئي بين أقوى التقنيات العلمية وأكثر الأمراض تعقيداً وهو السرطان. وسط هذا السعي الدؤوب لعلاج يقضي على هذا الداء العضال تبرز بين الحين والآخر أمل جديد قد يأتي من حيث لا نتوقع. من قلب الطبيعة البكر ومن تراث الطب الشعبي القديم ظهرت عشبة تجمع بين التواضع في الشكل والقوة في المفعول لتصبح حديث الأوساط البحثية الطبية. إنها عشبة “الزعتر البري” أو ما يعرف علمياً باسم “أوريغانوم فولغاري” أو الاوريجانو.
قد تستغرب كيف يمكن لنبتة تستخدم كنوع من البهارات في المطبخ أن تكون محل دراسة جادة لمحاربة الأورام السرطانية. الإجابة تكمن في تركيبها الكيميائي الفريد الذي يحوي سلاحاً سرياً قوياً يدعى “كارفاكرول”. هذا المركب العضوي هو جوهر الأمل والبحث. فالزعتر البري ليس مجرد نبات عطري بل هو مصنع كيميائي طبيعي ينتج مجموعة مذهلة من الفينولات والتربينويات والفلافونويد ذات التأثير البيولوجي العميق.
تقوم آلية عمل هذه العشبة على مستويات متعددة تجعلها مرشحاً قوياً كعلاج تكميلي واعد في مكافحة السرطان. أولاً وقبل كل شيء يعمل الكارفاكرول وباقي مركبات الاوريجانو على تحريض ما يعرف بـ “موت الخلية المبرمج” أو “الاستماتة” في الخلايا السرطانية. الخلايا السرطانية تتميز بقدرتها الشيطانية على التهرب من الموت المبرمج الذي تخضع له الخلايا الطبيعية التالفة أو القديمة. هنا يأتي دور الزعتر البري ليعيد تفعيل برنامج الموت هذا داخل نواة الخلية السرطانية من خلال سلسلة من التفاعلات الجزيئية المعقدة التي تشمل تنشيط إنزيمات تسمى كاسباس وتفكيك المادة الوراثية للخلية السرطانية من الداخل مما يؤدي إلى انهيارها وتلاشيها دون أن تؤذي الخلايا السليمة المحيطة وهذا هو حجر الزاوية في أي علاج مضاد للسرطان.
ثانياً تتميز الخلايا السرطانية بقدرة خارقة على تكوين أوعية دموية جديدة لتغذيتها وهي عملية تسمى “تولد الأوعية”. بدون هذه الشبكة من الأوعية لا يمكن للورم أن ينمو ويتوسع. تظهر الأبحاث المخبرية أن مستخلص الزعتر البري الغني بالكارفاكرول يعمل على تثبيط إشارات النمو التي ترسلها الخلايا السرطانية لتكوين هذه الأوعية مما يحرم الورم من إمدادات الغذاء والأكسجين ويحجزه في حجم صغير غير قادر على الانتشار وهو ما يعرف بـ “تجويع الورم”.
ثالثاً الانتشار أو “النقيلة” هو الكابوس الحقيقي في مرض السرطان حيث تنتقل خلايا من الورم الأساسي لتستوطن أعضاء أخرى بعيدة. هنا يظهر دور آخر للزعتر البري حيث يعمل على تثبيط إنزيمات معينة تسمى “الميتالوبروتينيز” التي تستخدمها الخلايا السرطانية كأداة لحفر ممرات في الأنسجة السليمة والهروب منها. أيضاً يقلل الكارفاكرول من قدرة الخلايا السرطانية على الحركة والالتصاق بالأسطح الجديدة مما يعيق خططها التوسعية بشكل كبير.
رابعاً الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن بيئتان خصبتان لتطور السرطان. تمتلك مركبات الزعتر البري قوة مضادة للأكسدة تفوق العديد من الخضروات والفواكه المعروفة. فهي تزيل الجذور الحرة التي تدمر الحمض النووي وتسبب طفرات قد تؤدي إلى السرطان. كما أن خصائصها المضادة للالتهاب تقلل من البيئة الالتهابية التي تغذي نمو الورم وتحميه من جهاز المناعة.
الدليل العلمي الداعم لهذه الادعاءات قوي ومتنامي. دراسة مخبرية منشورة في مجلة “Anticancer Research” أظهرت أن الكارفاكرول تسبب في موت الخلايا السرطانية في سرطان البروستاتا عبر مسارات متعددة. بحث آخر من جامعة “لونغ آيلاند” في الولايات المتحدة وجد أن مستخلص الاوريجانو كان فعالاً في إيقاف نمو خلايا سرطان الثدي في المختبر. أيضاً دراسة إيطالية نُشرت في “مجلة الكيمياء الزراعية والغذائية” أشارت إلى أن الزعتر البري كان فعالاً ضد خلايا سرطان القولون.
التجارب ما قبل السريرية على الحيوانات كانت مبشرة أيضاً. فأظهرت إحدى الدراسات التي أجريت على فئران مصابة بأورام جلدية أن التطبيق الموضعي لمستخلص الاوريجانو أدى إلى انخفاض كبير في حجم الورم مقارنة بمجموعة التحكم. هذه النتائج مجتمعة دفعت المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة وغيره من المؤسسات البحثية المرموقة إلى إدراج مركبات الزعتر البري في قائمة المركبات قيد التقييم الدقيق.
لكن كيف يمكن استخدام هذا السلاح الطبيعي؟ من المهم هنا أن نؤكد أننا نتحدث عن دور تكميلي ومساند تحت إشراف الطبيب وليس بديلاً عن العلاج الطبي الأساسي. يمكن تناول الزعتر البري كعشب طازج أو مجفف في الطعام أو شرب منقوعه. لكن التركيز الأعلى للمواد الفعالة يكون في الزيت العطري المستخلص منه. ولأن هذا الزيت مركز وقوي جداً يجب استخدامه بحذر شديد وتخفيفه دائماً بزيت ناقل ولا يؤخذ داخلياً إلا باستشارة مختص. الجرعات العشوائية وغير المدروسة قد تكون ضارة.
الخلاصة التي تظهر من ركام الأبحاث أن عشبة الزعتر البري تمثل بارقة أمل في أفق مكافحة السرطان. هي نموذج لثورة العلاج الطبيعي المدعوم بالعلم. قدرتها على استهداف الخلايا السرطانية عبر آليات متعددة ومتوازنة مع حماية الخلايا السليمة تجعلها مرشحاً عضوياً فريداً. الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة نسبياً والمطلوب المزيد من الدراسات السريرية على البشر لتحديد الجرعات الدقيقة والفعالة لكل نوع سرطان. لكن الإشارات الأولية قوية ومشجعة. هذا الاكتشاف يذكرنا بأن الطبيعة قد تكون أعظم صيدلية للإنسان إذا أحسن البحث فيها واستخدامها بحكمة. إنه بداية طريق طويل نحو فهم أعمق لكيفية تسخير عطاء الأرض في معركتنا ضد الأورام بفضل من الله وتسخير لقوانينه في الكون.




