وصية صدام حسين قبل رحيله.. ما الطلب الذي قيل إنه لم يُنفذ حتى اليوم؟

في زنزانة صغيرة، وقبل ثلاثة أيام من تنفيذ الحكم، جلس رجل في التاسعة والستين يكتب. لم تكن لديه ورقة رسمية ولا خاتم دولة. كان يكتب بخط يده، على ما تيسر، رسالة أخيرة. حين نُشرت بعد ذلك، توقع كثيرون أن تكون رسالة تحدٍّ أو تهديد. لكن ما خرج من تلك الزنزانة كان شيئاً آخر تماماً: وصية صدام — نصاً يدعو إلى نبذ الحقد، والعفو، والتمييز بين الشعوب والحكام. والغريب أن هذه الوصية، التي قرأها الملايين، لم تُنفذ — على الأقل بحسب كثير من العراقيين. فما الذي كتبه الرجل بالضبط؟ ولماذا يرى البعض أن كلماته الأخيرة كانت أشبه بنبوءة لم تتحقق.

وصية صدام: ماذا كتب الرجل في زنزانته؟

الرسالة التي يعود تاريخها إلى 26 ديسمبر 2006، نُشرت أولاً على موقع حزب البعث، ثم تناقلتها وكالات الأنباء. نصها، كما ورد في أرشيف الجزيرة وغيرها، بدأ بآية قرآنية: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، ثم وجّه خطابه إلى “الشعب العراقي العظيم”، وإلى “الأمة العربية”، وحتى إلى “الإنسانية جمعاء”.

لكن ما يميز وصية صدام ليس مقدمتها، بل ما قاله في منتصفها. لم يطلب من العراقيين الانتقام، ولا الثأر. طلب منهم شيئاً واحداً، بصياغة بدت أقرب إلى الخطبة منها إلى الوصية: “ادعوكم إلى عدم الحقد، لأن الحقد لا يترك فرصة لصاحبه لينصف ويعدل، ويعمي البصر والبصيرة”.

هذه الجملة وحدها كافية لتفسير الجدل الذي رافق الوصية منذ نشرها. رجل حكم بقبضة حديد لعقود، يكتب في آخر أيامه عن “الحقد” الذي “يعمي البصيرة”. المفارقة هنا ليست في النص، بل في السياق.

النص الذي تجاوز الحدود

الجزء الثاني من الوصية، والأكثر إثارة للدهشة، لم يكن موجهاً للعراقيين وحدهم. كتب صدام: “لا تكرهوا شعوب الدول التي اعتدت علينا، وفرقوا بين أهل القرار والشعوب”.

هذا التمييز بين “أهل القرار” و”الشعوب” لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية. في نص الرسالة الكامل الذي نشرته الجزيرة، أضاف: “في هذه الدول من يدعمكم، ومنهم من تطوع للدفاع عني، وبكى حين ودّعني”. كان يشير إلى محامين وخبراء أجانب تطوعوا للدفاع عنه، وإلى رأي عام غربي لم يكن مؤيداً للغزو.

الحقيقة التي تكمن خلف هذا المقطع: وصية صدام لم تكن رسالة داخلية للعراقيين، بل كانت محاولة لتحديد إرثه السياسي أمام العالم. لم يرد أن يُذكر كرجل غزا الكويت وقمع شعبه فقط، بل كرجل دعا إلى التسامح في النهاية.

لمن سُلّمت الوصية؟ ولماذا رغد؟

حسب ما نُشر، سُلّمت الرسالة إلى ابنته الكبرى رغد صدام حسين عبر مصدر من عشيرته. رغد، التي كانت الابنة الأقرب إليه سياسياً، ظلت لسنوات تنشر مقتطفات من رسائله، وتؤكد أن والا لم يكتب وصيته إلا بعد أن تأكد أن الحكم نهائي.

في الذكرى الثانية عشرة لإعدامه، عام 2018، نشرت رغد مقطعاً قصيراً من كلماته الأخيرة: “أيها الشعب الوفي الكريم، أستودعكم ونفسي عند الرب الرحيم الذي لا تضيع عنده وديعة، ولا يخيب ظن مؤمن صادق أمين”. وكان ذلك نصاً مكملاً للوصية، لا بديلاً عنها.

هذا التفصيل مهم. لأن وصية صدام لم تُنشر كنص واحد متكامل في لحظة واحدة، بل تسربت عبر سنوات. كل جزء أضاف طبقة جديدة، وكل طبقة أثارت جدلاً جديداً. وهذا ما جعلها وثيقة حية، لا مجرد ورقة قديمة.

جدول: أبرز مضامين وصية صدام

المضمونالنص المقتطعالدلالة
نبذ الحقد“ادعوكم إلى عدم الحقد، لأن الحقد يعمي البصر والبصيرة”دعوة إلى تجاوز الانتقام الشخصي
التمييز بين الشعوب والحكام“لا تكرهوا شعوب الدول التي اعتدت علينا، وفرقوا بين أهل القرار والشعوب”محاولة لفصل المسؤولية السياسية عن الشعوب
العفو عن المخطئين“من يرعوي ويصلح فاعفوا عنه، وافتحوا له صفحة جديدة”دعوة إلى مصالحة وطنية
الوحدة الوطنية“كونوا نموذجاً بالمحبة والعفو والتسامح والتعايش الأخوي”تحذير من الانقسام الطائفي
الوصية الشخصية“أستودعكم ونفسي عند الرب الرحيم”تسليم روحي وتوديع نهائي

لماذا يرى العراقيون أن الوصية لم تُنفذ؟

هنا المفارقة الكبرى. وصية صدام دعت إلى عدم الحقد، والعفو، والتعايش. لكن ما حدث بعد 2006 سار في اتجاه معاكس تماماً.

في السنوات التي تلت الإعدام، شهد العراق موجات من العنف الطائفي، وتفجيرات، واقتتالاً داخلياً، ونزوحاً بالملايين. الأحقاد التي حذّر منها صدام في وصيته لم تختفِ، بل تضاعفت. والعفو الذي دعا إليه لم يتحقق، بل تحول إلى ثأر متبادل بين مكونات المجتمع.

هذه القراءة، التي يتبناها كثير من أنصار صدام، ترى في الوصية نبوءة. وكأن الرجل، وهو على أعتاب الموت، رأى ما سيحدث بعده، فحاول أن يحذر. لكن التحذير جاء متأخراً، أو لم يُقرأ بالشكل الصحيح.

الحقيقة التي يجب أن تُقال: الوصية لم تفشل لأنها لم تُفهم، بل لأن الظروف التي أعقبت 2003 كانت أكبر من أي رسالة. العراق كان قد دخل مرحلة تفكك بنيوي، ولم يكن نص من زنزانة قادراً على إيقافها. وصية صدام كانت كلمة أخيرة في زمن لم يعد للكلمات فيه سلطة.

هل كانت الوصية صادقة أم تكتيكاً أخيراً؟

هذا السؤال يطرحه كثيرون. فهل يمكن لرجل حكم بالقوة لعقود أن يتحول في لحظاته الأخيرة إلى داعية تسامح؟

هناك قراءتان. الأولى ترى أن الوصية كانت صادقة، بدليل أنها كتبت بخط يده في زنزانة، بعيداً عن أي رقابة أو مصلحة سياسية. لم يكن لديه ما يكسبه من الكذب في تلك اللحظة. الثانية ترى أنها كانت تكتيكاً أخيراً لصناعة صورة مختلفة عن نفسه، وإرباك خصومه بعد موته.

القراءة الأكثر إنصافاً قد تكون مزيجاً من الاثنين. الإنسان في لحظاته الأخيرة لا يكون سياسياً بالكامل، ولا يكون بريئاً بالكامل. وصية صدام حملت الاثنين: رغبة حقيقية في التوديع، ومحاولة أخيرة للتحكم في كيفية تذكره.

[ضع هنا رابطاً داخلياً لمقال يتحدث عن: كيف تروي الوثائق الشخصية تاريخ العراق الحديث]

أسئلة شائعة حول وصية صدام

ما هو النص الكامل لوصية صدام؟

الوصية التي كتبها صدام بتاريخ 26 ديسمبر 2006، ونُشرت بعد إعدامه، بدأت بآية “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، ودعت إلى عدم الحقد، والتمييز بين الشعوب والحكام، والعفو عن المخطئين، والتمسك بالوحدة الوطنية. النص الكامل متاح في أرشيف الجزيرة وغيره من المصادر.

لمن سُلّمت وصية صدام؟

سُلّمت الرسالة إلى ابنته الكبرى رغد صدام حسين عبر مصدر من عشيرته. ونشرت رغد لاحقاً مقتطفات منها في مناسبات مختلفة، من بينها الذكرى الثانية عشرة لإعدامه عام 2018.

هل نُفذت وصية صدام فعلاً؟

يرى كثير من المتابعين والعراقيين أن مضامين الوصية لم تُنفذ. فبدلاً من نبذ الحقد والعفو والتعايش، شهد العراق بعد 2006 موجات من العنف الطائفي والانقسام. لكن هذا التقييم يخضع لتفسيرات مختلفة، ويتوقف على كيفية قراءة ما حدث بعد 2003.

بين زنزانة في 2006، وعراق لم يهدأ بعدها، تقف وصية صدام كوثيقة إنسانية بامتياز. لا لأن صاحبها كان إنساناً مثالياً، بل لأنها صدرت في اللحظة التي لا يمكن فيها التظاهر. قد يكون الرجل أخطأ كثيراً، لكن كلماته الأخيرة حملت شيئاً صادقاً: أن الحقد لا يبني وطناً، وأن العفو، حتى لو جاء متأخراً، يظل أفضل من الثأر. وإذا كان العراق لم ينفذ الوصية، فربما لأن الوصية جاءت من رجل لم يعد له سلطان، في زمن كانت فيه الكلمات أضعف من الرصاص.

إذا كانت هذه القصة تثير فضولك، فشارك المقال مع من يهتم بتاريخ العراق ووثائقه. النقاش حول الوصايا لا ينتهي، لكن قراءتها بعين ناقدة هو ما يجعلها درساً، لا مجرد خبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى