
حكم التحميض: ما هو هذا الفعل الذي حرمه الشرع؟
التحميض، كما ورد في كتب اللغة والفقه، هو أن يأتي الرجل زوجته أو أمته في موضع الدبر. كان معروفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام ليقطعه ويحرمه. وقد أجمع جمهور السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة على تحريمه. يقول ابن كثير في تفسيره: “إتيان المرأة في دبرها حرام لا شك فيه، وفعله كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرم عند الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم”.
وهذا التحريم ليس تعسفياً. الحكمة منه حفظ الفطرة السليمة، وحماية الزوجة من الأذى، واحترام الموضع الذي جعله الله للنسل والحرث، لا لممارسة تخالف طبيعة الخلقة.
قصة ابن عمر: كيف يُرد على من يستدل بالقرآن على الحرام؟
القصة التي بدأنا بها تستحق التوقف. الرجل جاء إلى ابن عمر يستحل فعلته بآية: “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ” (البقرة: 223). ظن أن “أنى شئتم” تعني أي موضع شئتم، حتى الدبر. لكن ابن عمر صحح له: معنى الآية أن يأتيها من أي جهة شاء — من الأمام أو الخلف — لكن في الموضع الواحد الذي هو موضع الحرث، أي القُبل.
وفي رواية أخرى، أن رجلاً سأل ابن عمر عن “التحميض”، فسأله ابن عمر: “وما التحميض؟”، فلما ذكر له الدبر، قال: “هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!” هذه الجملة وحدها تكفي لبيان مدى استنكار الصحابة لهذا الفعل، واعتباره أمراً خارجاً عن حدود ما يعرفه المسلمون من دينهم.
الآية نفسها التي يستدل بها البعض على الجواز، هي نفسها التي يستدل بها الجمهور على التحريم، لأن “الحرث” لا يكون إلا في موضع الزرع والنسل.
النصوص النبوية: لعن وحرمان من نظر الله
جاءت السنة النبوية بنصوص قاطعة في هذا الباب، لا تحتمل التأويل. من أبرزها:
- حديث “ملعون من أتى امرأته في دبرها”: رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد من حديث أبي هريرة. واللعن في الشرع يعني الطرد من رحمة الله، وهو أشد وعيد يمكن أن يواجه به فاعل هذا الفعل.
- حديث “لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر”: رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عباس، وقال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب”. ومعنى “لا ينظر الله إليه” هو الحرمان من الرحمة والنظر الإلهي يوم القيامة، وهي عقوبة تفوق أي عقوبة دنيوية.
- حديث “لا تأتوا النساء في أعجازهن”: رواه الترمذي عن علي بن طلق، وفيه: “فإن الله لا يستحي من الحق”.
هذه النصوص مجتمعة لا تترك مجالاً للتأويل. الفعل حرام قطعاً، وكبيرة من الكبائر، ومن فعله فقد تعرض للعن والحرمان من نظر الله إن لم يتب.
جدول: أحكام العلاقة الزوجية في الإسلام — الفرق بين الحلال والحرام
| نوع الفعل | الحكم الشرعي | الدليل |
|---|---|---|
| الجماع في القُبل (الفرج) | حلال بكل وضعية ومن أي جهة | “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ” |
| الجماع في الدبر (التحميض) | حرام قطعاً، وكبيرة من الكبائر | “ملعون من أتى امرأته في دبرها”، “لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في الدبر” |
| الجماع في الحيض | حرام حتى ينقطع الدم | “فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ” |
| الجماع من الخلف في القُبل | حلال، وهو ما أوضحه ابن عمر | تفسير ابن عمر للآية |
ماذا تفعل من وقع في هذا الذنب؟ باب التوبة مفتوح
من رحمة الله أن باب التوبة لا يُغلق. من وقع في التحميض، أو أصرّ عليه، فعليه أن يبادر بالتوبة النصوح. شروط التوبة ثلاثة: الإقلاع عن الذنب فوراً، والندم على فعله، والعزم الصادق على عدم العودة إليه.
يقول الله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا” (الزمر: 53). ويقول النبي ﷺ: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”.
وقد أكد أهل العلم أن هذا الفعل، وإن كان حراماً، لا يوجب تحريم الزوجة على زوجها ولا يفسخ عقد الزواج. لكنه يوجب التوبة والاستغفار، والحرص على عدم العودة.
لماذا يخلط البعض بين الحلال والحرام؟
الخلط بين الحلال والحرام ليس جديداً. سببه الجهل بمعاني النصوص، أو اتباع الهوى وتأويل النصوص على غير مرادها. الآية التي يستدل بها من يبيح التحميض هي نفسها التي يستدل بها الجمهور على تحريمه، لأن “الحرث” في اللغة والشرع هو موضع الزرع والنسل، لا غيره.
من يريد أن يفعل شيئاً، يجد له من النصوص ما يظن أنه يستدل به. لكن العلماء الراسخين هم من يردون المتشابه إلى المحكم، ويفرقون بين ما يحتمل التأويل وما لا يحتمله. وقد أجمع الأئمة الأربعة على التحريم، ولم يخالفهم في ذلك من يعتد بقوله.
أسئلة شائعة حول حكم التحميض
ما هو التحميض في الشرع؟
التحميض هو إتيان الرجل زوجته أو أمته في دبرها. وهو لفظ عربي قديم كان معروفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام بتحريمه. وهو كبيرة من كبائر الذنوب عند جمهور العلماء.
هل يجوز الجماع من الخلف إذا كان في القُبل؟
نعم، إذا كان المقصود الإتيان من جهة الظهر لكن في موضع الفرج (القُبل)، فهو حلال. أما إذا كان في موضع الدبر، فهو التحميض المحرم. الفيصل هو الموضع، وليس الجهة التي يأتي منها.
ما حكم من وقع في التحميض وتاب؟
التوبة النصوح تمحو الذنب، بشروطها: الإقلاع الفوري، والندم، والعزم على عدم العودة. ولا يفسخ هذا الفعل عقد الزواج، لكنه يوجب التوبة والاستغفار. والله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب.
بين من يستحل الحرام بتأويل فاسد، ومن يستخف به، يقف الحكم الشرعي واضحاً لا لبس فيه. التحميض حرام قطعاً، وكبيرة من الكبائر، ومن فعله فقد تعرض للعن والحرمان من نظر الله. لكن رحمة الله أوسع، والتوبة بابها مفتوح لمن صدق. والواجب على المسلم أن يعرف حدود ما أحل الله وما حرم، وأن يقف عندها، لا أن يتلاعب بالنصوص ليوافق هواه.
إذا كانت هذه المعلومات مفيدة لك أو لشخص تعرفه، فشارك المقال. الوعي بالحكم الشرعي هو أول خطوة نحو التوبة والعمل الصالح.

